الجمعة، 5 فبراير، 2016

هاني الرتيمي_هاني الرتيمي: إعلان علي حائط المبكي...

إعلان علي حائط المبكي... تميم، جابر وصفوان

(قصة قصيرة)
العاشرة صباحاً وصل  تميم علي الموعد تماماً، كعادته طلب النسكافة وكعادته جلس في الركن الأيمن في نهاية الكافتيريا، آجال بناظريه في المكان شبه الفارغ، تماماً كما هو متوقع في مثل هذا الوقت من الصيف، استخرج النقال من جيبه واستغرق في قراءة الأخبار قبل ان يسمع صوت صديقه مراد.....
- السلام عليكم.
- تأخرت كعادتك.
- استغرقت في النوم، لم استيقظ في هذا الوقت منذ ايام الدراسة.
- لكنك مشغول في غيره، جميل ان نلتقي من حين لآخر، لما اخترت الكلية؟
- إنها موطن الذكريات، لا يوجد مكان يماثلها ...ثم من يدري قد نجد لك عروسة.
ضحك تميم بلا روح البتة وقال وهو يجول بناظريه:
- المكان مقفر لن تجد حتي سحلية... ولا احسبها ترضي، ما الأخبار.
- لا شئ جديد... نوم في النهار، والانترنت كافيه في الليل.
- تخصص هندسة كهربائية وتعمل في إنترنت كافية!!! الم تجد عملاً خيراً من هذا؟.
- باب الحكومة مغلق ثم ان المحل ملك للعائلة ولا احد يديره منذ مرض الوالد... ماذا عنك.
اجاب تميم "انتظر التعيين... وفي الوقت الحالي اعمل في تصليح المكيفات"... ساد الصمت لوهلة قبل ان يلتفت مراد:
- هل قرأت الإعلان ؟
- لا عمل لي سوي قراءة الإعلانات... عن اي واحد تتحدث؟
- اعلان الوظائف في شركة الكاتل الفرنسية... يطلبون مهندسين للعمل في أنحاء العالم، المرتب فوق الخيال، ستعمل في المناطق النائية في اول عامين او ثلاث وقد تنتقل الي وظيفة مكتبية بعد ذلك في مدينة أوروبية... الموضوع جدي اعرف اشخاصاً قبلوا قبل بضعة أعوام والآن في فرنسا وبلجيكا... إلا إذا كنت من عشاق هذه البلد ووطنيتك تمنعك من مغادرة الفردوس.
تمتم لنفسه (مغادرة الفردوس!!! اي فردوس). أعاد الحديث شريط ذكريات حياته في ومضات نعم كان له طفولة سعيدة في شقتهم الأولي في بن عاشور، لايزال يتذكر ابوه بجثته الضخمة وشاربه الكثيف، منظره  وصوته الفخم كان كفيلا بإلقاء الهيبة في نفوس الناس، مع انه في البيت كان ينقلب حملاً وديعا يقضي وقته وهو يلاعبهم ويشاكسهم خاصة اخته الصغري، كم كان يحلو له ان يتسلق ظهره ويتعلق بشعره، رائحته المميزة وضحكاته المجلجلة، كيف ينسي هذا، وفجأة تغير كل شئ اعتراه الذبول والضعف، بدأ يشكو من إسهال مزمن، بدايةً قالوا نزلة معوية ثم  قولون عصبي، تردد علي العيادات والمصحات، هو الذي لم يعرف الأطباء يوما وعندما تم تشخيص المرض كان الورم قد انتشر في كل جسمه... ذهب مع أمه الي تونس ثلاثة أشهر وعندما عاد، عاد في تابوت ....قالو لم يحتمل الكيماوي وفي رواية اخري انه أعطي جرعة زائدة، كم تمني لو ألقي  عليه نظرة اخيرة، انتهي كل شئ وبدأ عهد جديد، المعاش حُسِب حسب القانون خمسة عشر، أمه لم تكن تعمل، انتقلت العائلة من حال الي حال... عرف الفقر والذل، وذاق الامرين حتي اكمل تعليمه، وعندما قامت الثورة شارك فيها بكل وجدانه معتقداً انها ستعيد الحق وتقيم العدل، وإذا بالظلم يتضاعف، ثم تحدثني عن الفردوس!!!
- أين الإعلان؟ اجاب مراد وهو يتفحص نقاله.
- الرابط في صفحة طلبة الهندسة الكهربائية علي الفيس، لو كنت مكانك لما ترددت لحظة ولكن مسؤلياتي العائلية  تمنع، اتريد ان تري؟
ومضت عيناه بإهتمام وقال  "ناولني النقال".
*****
للمرة العاشرة يعيد جابر مراجعة النماذج وللمرة العاشرة يصففها بعناية في المغلف، يتردد بعض الشئ ثم يعيد النظر في موقع الشركة يتفحص الإعلان مرة اخري ويلقي النظرة المئة علي شروط التوظيف من افادة التخرج الي شهادات الخبرة وحسن السيرة والسلوك وخلافه، لم يعتريه هذا القدر من الأمل منذ فترة طويلة هذه فرصة العمر، صحيح ان الإعلان موجه لشمال افريقيا والمئات سيقدمون علي الوظيفة لكن الفرصة بالتأكيد تستحق المحاولة، وهو بحكم مولده في أمريكا لديه الجنسية وهذه ميزه عظيمة تعفيه من التأشيرات في وظيفة تتطلب التنقل من بلد لبلد، لم يخبر أباه بعد، لن يخبره الأن،  بالتأكيد لن يرضي، ابوه الدكتور المتقاعد في كلية العلوم، خريج جامعة برينستون في أمريكا والذي عاش عمره نظيف اليد طاهر الصيت اضطر في اخر عمره ان يستجدي ويتملق رعاع القوم كي يجد له وظيفة في شركة الكهرباء عندما استشعر رغبته في الهجرة، ابوه وطني اكثر من اللازم ترك فرصة العيش الرغد في أمريكا رغم كل المغريات كي يساهم في بناء الوطن، فماذا كانت النتيجة فيلا متواضعة في السراج سيارة نيسان موديل 2006 يتناوب عليها مع ابناءه الثلاثة ومعاش تقاعدي لايتجاوز الثمانمئة دينار، ولا مدخرات تذكر، حتي الوظيفة في شركة الكهرباء لن تغير من الواقع، كيف سيتجوز ويبني حياته، هذه البلد ليس لديها ماتقدمه لأبناءها الا إذا كانوا لصوص او زعماء ميليشيات، الثورة اثبتت هذا تغيرت الوجوه واستمر نفس الروتين لا فرق البتة، الهجرة هي الحل الي بلاد القانون والأمل حيث لا ميليشيات ولا لصوص ولا شيوخ طريقة ولا غيره، المقياس للإنتاج والإبداع، ابوه عاش حياته كما يريد ويرغب فليعش هو حياته كما يريد ويرغب، تأمل المغلف واغلقه... هذه المرة لن يتردد.

*****
تعود صفوان  كل مساء ان يقطع المسافة بين ميدان الشهداء ومقهي الغزالة في نصف ساعة وهو يقضي الوقت متمشياً علي الكورنيش حتي كوبري الودان قبل ان يعود ادراجه الي المقهي حيث يجلس برفقة اصدقاءه، وبإستثناء مشاوير قليلة الي محلاته المؤجرة في حي الأندلس وزيارات عائلية نادرة يقضي صفوان اغلب وقته في البيت او بالأصح في غرفته، فمنذ حادثة المكتب لم يعد له رغبة او قدرة علي الذهاب الي اي مكان، صفوان سليل عائلة طرابلسية معروفة كان أبو جده عضو في مجلس المبعوثان العثماني عن إيالة طرابلس الغرب وانتخب عّم ابيه نائباً في اول برلمان بعد الاستقلال، ابو صفوان لم يكن له باع يذكر في السياسة غير انه افتتح واحدة من اوائل شركات المقاولات  وقد اثري ثراءً فاحشاً استمر حتي نهاية السبعينيات حين بدت نذر الكارثة التي قرآها ابوه بفطنته فحول جزءً هاماً من ثروته الي روما، وحين زحفت الدولة علي أملاكه حافظت العائلة علي مستواها، وسرعان مااستأنف ابوه نشاطه في التسعينيات لكن المرض أقعده ثم وافته المنية فتابع صفوان خريج الهندسة خطي ابيه وبدا كل شئ يسير كما ينبغي، حتي حدثت الثورة وابتهجت بها عائلته ايما ابتهاج واعتبر صفوان انه اخيراً ادرك ثأره من القذافي وآله، ورغم كساد السوق استمر المكتب في العمل الي ان جاء يوم، داهمت المكتب إحدي الكتائب، جالوا بوجوهم  الكريهة المكفهرة ونبشوا محتوياته وأهانوا العاملين، صادروا اجهزة الحاسوب والطابعات بل حتي النقالات وساعات الموظفين لم تسلم، لم يستطع ان ينبس ببنت شفة ابتلع إهانتهم وسفالتهم بإبتسامة صفراء، والسبب!! لا شئ قالوا ان بلاغاً امنياًوجه ضده، بلغ من وقاحة احدهم ان انتزع قلم الباركر المذهب من جيب القميص، كأنه يستطيع ان يكتب اسمه، ثم تَرَكُوا المكتب مخلفين وراءهم رائحة العرق والدخان، اخبروه بعدها انه مستهدف بالخطف والأفضل ان يغلق المكتب، ساءه ان يقف العمل وساءه اكثر ان يصرف الموظفين والكثير منهم له عوائل يعيلها ولكن ماباليد حيلة.
دخل الي المقهي كان اول الواصلين، اخرج نقاله وبدا يتصفح الفيس وجد تعليقاً من احد اصدقاءه علي رابط وما ان فتحه حتي وجد إعلان الوظيفة، لم يفكر في الهجرة يوماً لكن الأيام تغيرت، لما لا هو بالتأكيد ليس بحاجة للمال لكن العمل خير من الفراغ الذي يعيشه، ثم انها فرصة للتعلم واخد الخبرة وربما الحصول علي جنسية أوروبية، العمر يمضي، استلم المكتب وهو ابن اربع وعشرون عاماً وقد ناهز الثلاثين، اي مستقبل ينتظره في هذه البلد، الخطف القتل او التسكع علي المقاهي واجترار ذكريات الماضي، ربما يتغير الوضع وربما لا، نظر للإعلان مرة اخري وبدأ يقرأ التفاصيل...


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق