الخميس، 10 ديسمبر، 2015

ايران_العيش مع الزلازل.. سكان طهران في انتظار الكارثة


 
العربي الجديد: يشعر رئيس مجلس محافظة طهران، مهدي تشمران، بالخوف من وقوع هزة زلزالية بقوة 5.5 على مقياس ريختر، إذ يعتقد تشمران أن زلزالاً بهذه القدرة، لن يكون فاجعة العام الذي سيقع خلاله وحسب، بل سيكون فاجعة القرن والتاريخ، محذراً من أن المسؤولين والمواطنين لا يتعاملون بالجدية المطلوبة مع الخطر الراقد بين الصفائح الأرضية المتصدعة التي تقع عليها معظم الأراضي الإيرانية، فالأبنية الجديدة لا تبنى وفق المعايير المطلوبة، والقديمة ستشهد انهيارات كبيرة، والمناطق المزدحمة سكنياً، ستشهد كارثة وبائية ومجتمعية.
في أغسطس/آب الفائت، ضربت هزة أرضية بقوة 4.6 على مقياس ريختر، منطقتي دماوند وفيروز كوه ومناطق شرق طهران، بعد عدة هزات أخرى وقعت في قم ومناطق أخرى قريبة، خلال الأشهر القليلة الماضية، في حدث متكرر خلال السنوات الماضية، ما جعل سكان طهران يعيشون والخوف يدب في قلوبهم باستمرار، من كابوس محدق بهم، إذ يعلم سكان العاصمة أنهم يسكنون مدينة تتموضع جغرافيا على أربعة تصدعات أرضية.
أسباب الخطر
يشرح أستاذ الجيولوجيا، محمد رضا قيطانجي، سبب التوقعات المتشائمة لـ"العربي الجديد" : "طهران ليست الوحيدة المهددة بوقوع زلزال كارثي فيها، إذ إن معظم المناطق الإيرانية، تقع على صفائح أرضية متصدعة، تمتد على خط زلزالي، يصل إلى عدة دول من المنطقة، وتحرك هذه الصفائح أو اصطدامها يؤدي إلى هزات أرضية تتفاوت شدتها كما تتفاوت تبعاتها". يرى قيطانجي، أن الخطر يزيد بارتفاع الكثافة السكانية في المناطق الأكثر خطراً من الناحية الجغرافية، قائلا: "إن اختيار طهران للسكن في القدم كان بسبب كثرة مياهها، وهي المياه التي تنبع أصلاً من بين هذه الصفائح الأرضية، وهو ما يزيد الخطر المحدق في المدينة التي أصبحت عاصمة للبلاد قبل عقود، وزادت إمكانياتها وخدماتها، وهذا مازاد عدد ساكنيها تدريجياً ليصل إلى نحو 14 مليوناً. يقول قيطانجي: "إن خط الزلازل يمر من مدن إيرانية عديدة، منها طهران ومشهد وتبريز، والمشكلة الحقيقية لن تكون بوقوع الهزة الأرضية بقدر ما إنها ستكون مسبباً لكارثة بشرية ومادية، بسبب وجود أبنية قديمة في مناطق عديدة، من الممكن القول، إن عمرها الحقيقي قد انتهى، فهي لم تبنَ بالاساس لتكون مقاومة للزلازل، وبالمقابل هناك بعض الأبنية الحديثة التي من المفترض أن تكون مقاومتها أعلى".
فاجعة تستدعي الجهوزية
رئيس مؤسسة إدارة الكوارث في طهران، أحمد صادقي، أكد هو الآخر في تصريحات صحافية، أن وقوع هزة أرضية كبرى خطر جدي يحدق بالعاصمة بالفعل، قائلاً: "إنه يجب توخي الحذر واتخاذ خطوات احترازية على المستوى الوطني". يقول صادقي إن "المشكلة تكمن بعدم تصور المواطنين وحتى المسؤولين تبعات زلزال طهران المتوقع، فالمشكلة تكمن في استمرار تشييد المزيد من الأبنية، والاهتمام بجعلها أبنية هندسية حديثة من حيث الشكل لإعطاء العاصمة وجهاً أكثر جمالاً، دون التنبه إلى أن معايير السلامة هي الأهم". ويتفق العالم الجيولوجي، نصر الله كماليان، مع الرأي السابق، في حوار مع وكالة مهر، إنه في حال وقعت هزة بقوة 5.5 على مقياس ريختر فإن الخسارة ستكون مفجعة، وستشهد طهران زلزالاً اجتماعياً واقتصادياً، مضيفاً إن هناك مناطق مزدحمة سكانياً ما يزيد الخطر، وأشار إلى أن مسألة مراقبة الهزات الأرضية مازالت لا تؤخذ على محمل الجد.
بحسب جولة لـ"العربي الجديد" في طهران وثقت كاتبة التحقيق، التمدد العمراني السريع، الذي يتشابه في العديد من مناطق العاصمة، منها منطقة لواسان على سبيل المثال، وهي منطقة أحراش طبيعية تمتد شرق طهران، بدأت بالتقلص بسبب الهجوم العمراني عليها، ولا تتم مراعاة مواقع التصدعات الزلزالية في عمليات البناء، وقبل 3 أشهر انهارت بعض الأبنية على الطريق الرئيس من طهران إلى شمال البلاد، حيث المناطق الساحلية والجبلية، عندما فاضت السيول، وهو ما يؤكد أن الأبنية غير مقاومة للكوارث الطبيعية. تقول المديرة التنفيذية لشركة الاستشارات الهندسية بيتي اعتماد لـ"العربي الجديد"، إن "طهران فيها نوعان من الأبنية، حديثة وقديمة، والأبنية القديمة تالفة، ويجب ترميمها وإصلاحها بأسرع وقت، وعند انهيار بعضها بفعل الزلزال فإن مهمة إنقاذ العالقين تحت الأنقاض، ستكون صعبة بسبب إقامة تلك المباني في الأزقة الضيقة، وهو ما يطيل عمليات الإنقاذ، ويزيد عدد الضحايا". تتابع "الأبنية الجديدة رغم حداثتها إلا أنها في غالبيتها لا تراعي المقاييس الفنية"، وتؤكد اعتماد على وجود مخالفات عند التنفيذ، وليس في مخططات هذه الأبنية التي تراقب من قبل المعنيين أو حتى من قبل الشركات التي تجريها، وتؤكد أنه لا يوجد إحصائيات دقيقة حول عدد المخالفات الفعلية، لكن هذا النوع من الأبنية أخطر من تلك القديمة، كون طوابقه أعلى وقد تصل عشرة طوابق، حسب قولها. وتشير إلى عامل خطر آخر، وهو عدم استخدام المواد المطلوبة في البناء بالكميات اللازمة، وتقول، إن العمال أو المشرفين على البناء لا يستخدمون كميات الجبصين أو الرمل الكافية، ولا يراعون حتى ضرورة استخدام أنواع معينة من المعادن دون أخرى، قائلة "هذا يحتاج رقابة أكثر جدية"، إلا أن الأخطر حسب رأيها هو البناء على المرتفعات الجبلية المحيطة بطهران، والتمدد العمراني في تلك المناطق، فطهران محاطة بثلاث سلاسل جبلية يمر التصدع الزلزالي عبرها.
الإجراءات الحكومية
وفق موقع مؤسسة إدارة الكوارث في العاصمة طهران، فإن المدينة متصلة بحساسات تستطيع أن تستشعر نشاط التصدعات الأرضية، وفي تقرير خاص نشر على موقع المؤسسة، فإن أي هزة أرضية لها موجات أولية، وأخرى ثانوية، الأولية غير مخربة بقدر تلك الثانية التي تعد الهزة الرئيسية، الفاصل الزمني بين هاتين الهزتين حسب خبراء جيولوجيا يابانيين يتراوح بين ثمانية إلى أربعين ثانية وحسب. تقول مؤسسة إدارة الكوارث إنه "فور تلقي إشارات الهزة الأولى سيكون هناك إمكانية قطع المدينة عن شبكة الكهرباء والغاز، فضلاً عن إيقاف قطار الأنفاق، ما قد يحد من الخطر المتوقع". ويقوم الهلال الأحمر الإيراني، بين الفينة والأخرى بتنظيم دورات تدريبية في المدارس لتعليم الطلاب كيفية التعاطي مع الأمر، وتبث هيئة الإذاعة والتلفزيون في بعض الأوقات مقاطع للتوعية، كما يقوم الإطفاء بمناورات بين الفينة والأخرى في محاولة لتنظيم عمليات الإنقاذ المطلوبة. عضو لجنة العمران والنائب في البرلمان، حميد رضا بشنغ، رد على سؤال لـ"العربي الجديد"، عن سبب عدم التعاطي مع الأمر بجدية، رغم معرفة الكل بالخطر المحدق بساكني طهران، قائلاً، إن "الزلزال ظاهرة طبيعية لا يمكن التنبؤ بها، إلا أن العلامات الموجودة، حتى الآن، تتطلب جهوزية مؤسسة إدارة الكوارث" حسب قوله. وأشار إلى أن أعضاء لجنة العمران بحثوا عدة قرارات تصب لصالح ضرورة تشييد أبنية مقاومة للزلازل، فضلاً عن مقترحات لتنظيم عمليات الإنقاذ، لكنه أكد هو الآخر على وجود مخالفات في البناء، قائلاً، إنه على المعنيين تقديم مذكرات اعتراضية أولاً للتعاطي مع الأمر، مشيراً إلى ضرورة تعاون الحكومة والبرلمان ومد جسور بين المؤسسات للتعاطي مع هذه المسألة، معتبراً أن الرقابة على البناء أمر صعب، قائلاً إنها "وظيفة مؤسسة تخطيط المدن".
%8 من الإيرانيين فقط جاهزون لمواجهة الزلازل
تكشف دراسة مدير مجموعة السلامة، خلال الحوادث، في كلية الطب التابعة لجامعة طهران، الدكتور علي أردلان، أن جهوزية مواجهة الكوارث الطبيعية موجودة فقط لدى 8% من المواطنين الإيرانيين البالغ عددهم 74 مليوناً تقريباً، ويقول أردلان في الدراسة المنشورة على موقع المؤسسة الوطنية لتحقيقات السلامة إن "تكاليف الجهوزية أوفر بكثير من تكلفة مواجهة التبعات، فعلى سبيل المثال، إن كلفت جهوزية كل مواطن تومان إيراني واحد، فمواجهة التبعات ستكلفه 8 تومانات (الدولار يساوي 29993.5 ريال إيراني). كما اعتبرت لجنة السلامة وإدارة الكوارث في مدينة طهران في تصريحات صحافية، إن مراكز صنع القرار والجهات التنفيذية عليها الانسجام، لتكون قادرة على اتخاذ القرارات سريعاً بحال وقوع الكارثة، ويؤكد هؤلاء أن طهران بين أخطر 25 مدينة في العالم من حيث التوقعات بتعرضها للزلازل، كما يقول رحمت الله حافظي رئيس لجنة السلامة في طهران. وتوقع حافظي في حوار نشر، أخيراً، مع وكالة مهر الإيرانية "وقوع مشكلات في مواجهة الحرائق المتوقع اندلاعها، وانقطاع المياه النقية الصالحة للشرب والاستخدام البشري، فضلاً عن كيفية التعاطي مع العالقين تحت الأنقاض في مناطق ضيقة، سيصعب الوصول إليها، وخاصة المناطق جنوب العاصمة". مشكلة أخرى أشار إليها حافظي، قد تزيد الأمور تعقيداً، وهي انخفاض مستوى القشرة الأرضية في طهران، ولا سيما في المناطق الواقعة جنوب غربي، وجنوب شرقي هذه المدينة، قائلاً إن "هذه المناطق ينخفض مستواها مليمتراً واحداً في اليوم، أي المعدل الوسطي لانخفاضها في العام يصل إلى 36 سنتيمتراً ما يزيد من الخطر المحدق بساكني الأبنية في تلك المناطق".
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق