الخميس، 17 ديسمبر، 2015

ليبيا_الحوار الوطني_أزمة ليبيا.. انقسام بطول الخطوط القبلية والإقليمية والسياسية


ألقى اجتماع ممثلين عن مجلس النواب والمؤتمر الوطني العام وإعلانهم السادس عشر من الشهر الجاري موعدا لتوقيع اتفاق الحل السياسي، في إطار حوار ليبي ـ ليبي، بظلاله على اتفاقية المصالحة بين الفرقاء الليبيين المزمع توقيعها برعاية أممية. لكن يبدو أن هذا الاجتماع لن يكون له أثر كبير في ظل عدم اعتراف القوى الإقليمية والدولية بما تمخض عنه مقابل دعمهم للاتفاق الأممي.

العرب اللندنية: بعد أكثر من سنة من التجاذبات بين حكومتي ليبيا المتنافستين في طبرق وطرابلس، يبدو أن المجهود المدعوم من الأمم المتحدة لتحويل ليبيا من بلد مقسم إلى بلد واحد تحت سلطة إدارة موحدة تتمتع بالمصداقية أتى أكله أخيرا. وتجّلى هذا التفاؤل الدولي على إثر تصريح المبعوث الأممي إلى ليبيا مارتن كوبلر، في الحادي عشر من ديسمبر، أن الحكومتين المتصارعتين في البلاد، (المؤتمر الوطني العام ذو الغالبية الإسلامية في الغرب ومجلس النواب المعترف به دوليا في الشرق)، مستعدتان لإمضاء اتفاقية لتقاسم السلطة في السادس عشر من ديسمبر.
قبيل أيام على توقيع أطراف الصراع الليبي اتفاقا نهائيا لتشكيل حكومة وفاق وطني، تم عقد اجتماع وزاري مخصص لبحث الأزمة الليبية، في روما، شارك فيه وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، والممثلة العليا لسياسة الأمن والشؤون الخارجية بالاتحاد الأوروبي، فدريكا موغريني، وعدد من وزراء الخارجية العرب والأوروبيين. واتفق المشاركون في المؤتمر، على دعم حكومة الوحدة الوطنية الليبية المرتقبة. لكن، يبقى هذا التفاؤل حذرا ويشوبه الكثير من التشكيك، يعكس سؤالا مطروحا بقوة في هذا السياق، وهو كم يبلغ حجم التأييد الذي يتمتع به اتفاق الأمم المتحدة.
بعض المحللين ما زالوا يشككون في مقدار السيطرة التي يملكها أعضاء الحكومة الجديدة على المسلحين وعلى المتشددين الذين سارعوا لاستعراض قوتهم المسلحة في الماضي بغرض التأثير على القرارات السياسية. ويشير المحللون، في مركز ستراتفور، للدراسات الأمنية والاستراتيجية، إلى أن هناك مشكلا واحدا لكنه رئيسي في ملف الاتفاق الليبي الليبي، وهو أن الاتفاق الأممي ليس الاتفاق الوحيد على الطاولة، ففي اليوم نفسه الذي أعلنت فيه الأمم المتحدة مقترحها أعلن فريق من النواب المنشقين من الحكومتين عن اتفاق منافس، وهو اتفاق يهدد بتقويض المفاوضات وتمديد عملية السلام.
كانت الأطراف الليبية المتنازعة قد أعلنت منذ أيام في مؤتمر صحفي، توصلها إلى اتفاق مبدئي لإنهاء النزاع القائم بينها، بعد مفاوضات سرية جرت مؤخرا، بتونس. وأفرزت هذه المفاوضات، التي جمعت ممثلين عن مجلس نواب طبرق، والمؤتمر الوطني العام، إعلان مبادئ اتفاق وطني لحل الأزمة الليبية، وقعه إبراهيم فتحي عميش رئيس وفد مجلس النواب، وعوض محمد عبدالصادق رئيس وفد المؤتمر الوطني العام. ويشمل الاتفاق 3 نقاط، أهمها "تشكيل لجنة من 10 أعضاء من البرلمانيين (5 من مجلس نواب طبرق، ومثلهم من المؤتمر الوطني العام)، تقوم خلال أسبوعين، بالمساعدة على اختيار رئيس حكومة وفاق وطني، ونائبين له، أحدهما من المجلس، والآخر من المؤتمر".
خطة أممية وأخرى بديلة
تأتي الخطة الأممية بعد أكثر من سنة من المفاوضات لإعادة الاستقرار، وبعد أن عمدت جماعة فجر ليبيا إلى الاستيلاء على العاصمة طرابلس سنة 2014 وأجبرت الحكومة المنتخبة على إعادة تنظيم صفوفها في مدينة طبرق في شرق البلاد. ومنذ ذلك الوقت وليبيا منقسمة بين الحكومتين. ودعمت الأمم المتحدة المحادثات بزعامة نائب رئيس المؤتمر الوطني العام، صالح المخزوم، ونائب رئيس مجلس النواب، محمد شعيب، وانتهت هذه المحادثات إلى الاتفاق المعلن في الحادي عشر من ديسمبر، وينص الاتفاق على تأسيس مجلس رئاسي متكون من عدة أعضاء لحكم البلاد. ويتكون هذا المجلس من رئيس وزراء وخمسة أعضاء وزارة نواب وثلاثة وزراء كبار، ويعطي اتفاق تقاسم السلطة المزيد من التمثيلية إلى الفاعلين السياسيين القبليين والجهويين في كافة أنحاء البلاد.
وبعد أن سئما من التدخل الأممي، تفاوض نائب رئيس المؤتمر الوطني العام، عوض عبدالصادق، وإبراهيم عميش، من مجلس النواب، حول الاتفاق البديل. والآن يساند منتقدو الاتفاق الأممي المقترح المنافس لأنه يبعث إشارة واضحة للمصالح الأجنبية حتى تبقى بعيدة عن السياسة الليبية. وسميت الخطة البديلة بالاتفاق الليبي-الليبي، وحصلت على دعم كبير رغم أن مضمونها الفعلي ليس قابلا للتطبيق سياسيا بنفس الدرجة مع اتفاق تقاسم السلطة المدعوم أمميا. فلقد وضع المشاركون في المحادثات الأممية في الحسبان البيئة السياسية المعقدة والمتشظية بشكل كبير في ليبيا، ويعطي الاتفاق الذي توصلوا إليه صوتا لعدة مصالح جهوية وقبلية في كامل أرجاء البلاد.
ويجمع الاتفاق الليبي-الليبي السلطة في أيادي الفاعلين السياسيين في كل من طبرق وطرابلس، إذ يعرض هيكلا تمثيليا جديدا سيتولى اختيار لجنة تعين رئيس وزراء في ظرف خمسة عشر يوما بينما تقوم لجنة أخرى بمراجعة الدستور الليبي. ويكون لكل حكومة تمثيلية متساوية في اللجنتين المذكورتين. وينقل مركز ستراتفور عن محمد شعيب، الذي شارك في مفاوضات الاتفاق الأممي، أن إبراهيم عميش امتلك بالفعل تفويضا للتفاوض لكنه تجاوز سلطته بكثير في هذه المحادثات الموازية. وأضاف المركز الاستخباراتي الأميركي أن عميش وعبدالصادق يدّعيان بأنهما قاما بتسمية الرئيس المؤقت مع رئيسي وزراء بالنيابة، وهما الآن يحاولان جمع ما يكفي من الدعم الدولي لجعل الاتفاق الليبي- الليبي منافسا قابلا للحياة حتى أنهما نشرا مقالا حوله في صحيفة “ذي هيل” الأميركية.
الفشل يحوم حول اتفاق تونس
يتوقّع المحللون الفشل للاتفاق الليبي- الليبي، فإضافة إلى الأمم المتحدة رفضته كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ولم تدعمه أغلب دول الجوار؛ وكدليل على فشله، يقول المحللون إن الرئيس التونسي في البداية أبدى تصريحات مساندة للاتفاق الذي وقع في بلده، لكنه سرعان ما أكد دعمه للاتفاق الأممي بعد ذلك، مشيرين إلى أن هذا الاتفاق يفرط في تبسيط هيكلة السلطة في ليبيا إلى درجة أن الكثير من الميليشيات والجماعات الجهوية سترفضه رفضا قاطعا بكل تأكيد.
من جانبها تحفظت مصر، على لسان متحدثها الحكومي، أحمد أبوزيد، عن الاتفاق، الذي دعا جميع الأطراف الليبية إلى بذل المزيد من الجهود من أجل التوصل إلى التوافق المطلوب بشأن اتفاق سياسي، يحظى بدعم جميع القوى السياسية والمناطق الجغرافية في ليبيا، وبما يضمن تشكيل حكومة وفاق وطني تضطلع بمسؤولياتها في محاربة الإرهاب الذي بدأ يستشري في أوصال الدولة الليبية. وطالب أبوزيد بالبناء على الاتفاق الأممي الأخير، لا البناء على شيء جديد، قائلا إن “الجهود الليبية ينبغي أن تتركز على توسيع قاعدة الدعم لاتفاق الصخيرات وتشكيل حكومة الوفاق الوطني المنبثقة عنه”.
وكانت كاثرين راي، الناطقة باسم مكتب العمل الخارجي الأوروبي، قد قالت إن أي اتفاق بين الفرقاء الليبيين يجب أن يكون شاملا ويقر بالدور الإيجابي للمنظمات الإقليمية والمجتمع الدولي. وأشارت إلى أن الاتحاد الأوروبي يدعم دور الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة مارتن كوبلر، والاتفاق السياسي الليبي الذي تمخّض عن جهوده وهذا يوفر أساسا جيدا للتوصل إلى اتفاق بين الفرقاء. ويخلص المحللون، في ستراتفور، إلى أن الموقعين على الاتفاق الليبي- الليبي، لم يكن لديهم أي أوهام بأن المجتمع الدولي سيقبل مقترحهم، ناهيك عن استحالة دخوله حيز التنفيذ.
ولم يكن الاتفاق غير أداة سياسية صممت بعناية لإرباك المقترح الأممي، حسب الخبراء؛ وهي قراءة تؤكدها حقيقة أن المظاهرات الداعمة للمقترح الليبي- الليبي حدثت بالأساس في مدينتي طرابلس ومصراتة الغربيتين، ما يؤكّد حقيقة أن ليبيا بلد ممزق من جهتين: ممزق من جهة بين الشرق والغرب، ومن جهة أخرى بين أولائك المستعدين للعمل مع الرعاة الأجانب وأولائك المعارضين بشراسة للنفوذ الخارجي. وبذلك فإن خط التصدع المستمر والعميق في السياسة الليبية قد يكون أحد أسباب تواصل المفاوضات في المستقبل المنظور دون نجاح.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق