الاثنين، 28 ديسمبر، 2015

الرابطة الليبية لحقوق الانسان_الرابطة الليبية/ ليبيا: الدبلوماسية الليبية فى ضوء إدارتها لملف العلاقات مع سويسرا

1. تتابع الرابطة الليبية لحقوق الإنسان التطورات غير الإيجابية التى عرفتها العلاقات الليبية السويسرية منذ صيف عام ٢٠٠٨ حين القت شرطة كنتون جينيف، بناءا على أمر من مكتب نائب المدعى العام فى الكنتون، القبض على احد أبناء العقيد القذافى وزوجته للتحقيق معهما فى شكوى كان قد  تلقاها مكتب المدعى العام من قبل اثنين من خدمهما بشأن سوء معاملة افتراضى. وقد افرج عن السيد القذافى وزجته بكفالة مالية بعد فترة توقيف وجيزة "على ذمة التحقيق" لم تتعدى ال٢٤ ساعة تلاها الإفراج الكامل اللامشروط عنهما وإسقاط التهم الموجهة لهما وتجميد القضية. وتلى ذلك زيارة عمل للرئيس السويسرى الى طرابلس قدم خلالها اعتذار الحكومة الفدرالية السويسرية الرسمى بشان هذا الحادث مباشرة الى  رئيس الحكومة الليبية سعادة البغدادى المحومودى وابدى اسفه الشديد له بشان أي متاعب نفسية او مادية يمكن ان تكون قد سببها هذا الحادث لاسرة العقيد القذافى. وغادر الرئيس السويسرى طرابلس بعد توقيعه مع السيد المحمودى على اتفاق يتم بموجبه تكوين لجنة تحكيم من ثلاثة اشخاص لإيجاد الحلول القانونية والدبلوماسية المناسبة لهذه المشكلة وحلها سلميا بالطرق القانونية المتعارف عليها دوليا. وفى المقابل فلم تكتفى حكومة العقيد القذافى بقطع امدادات النفط الليبى عن سويسرا بسبب هذا الحادث    وسحب ارصدتها المودعة فى البنوك السويسرية  والتى قدرت بستة مليارات دولار فحسب بل تعدتها وشنت حملة دبلوماسية كبيرة داخل أروقة الأمم المتحدة وخارجها، لحث دول العالم على سحب اعترافها بالدولة السويسرية ووضع حدا لعضويتها فى المنظمة الدولية وانهاء كيانها الذى أقيم فى سنة 1290 وتقسيم  مكوناتها (مقاطعاتها الثلاث) بين فرنسا والمانيا وإيطاليا مما اضطر الأمين العام للأمم المتحدة للتدخل دبلوماسيا مطالبا العقيد القذافى بعدم الإشارة حين يخاطب الجمعية العامة فى 23 سبتمبر 2009 الى موضوع تقسيم سويسرا او طردها من الامم المتحدة لانه من غير المقبول ان تنطلق مثل هذه المطالب، التى يمكن ان تعتبر عدوانا فى حد ذاتها، من على أعلى منبر للسلام والعايش السلمى، منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة. ولا بد من الإشارة هنا أن العلاقات الليبية السويسرية بدات فى الإنحدار فى يوليو 2008  أي عقب توقيف احد ابناء العقيد القذافى مباشرة، وليس كنتيجة للإستفتاء السويسرى على المآذن، ووصلت الى اسوا مستوى لها عدة شهور قبل تنظيم الإستفتاء، فى 29 نوفمبر 2009، على المآذن فى وقت كانت جميع استطلاعات الرأي تشير الى نجاح رأي الحكومة السويسرية المؤيد لحرية بناء المآذن. ويبدو أن هذا الإنحدار جاء على خلفية  القبض على رجلي أعمال سويسريين فى طرابلس فى 15 يوليو 2008، أي قبل ما يقارب السنة والنصف من تاريخ تنظيم الإستفتاء، اتهما اولا بالإقامة غير الشرعية (انتهاء صلاحية التاشيرة) ثم بعدم احترام شروط تأشيرة السياحة التى دخلا بموجبها الى ليبيا ثم بعد ذلك كله اتهما رسميا بمخالفات قوانين العمل و التهرب من دفع الضرائب المستحقة.
 2. كل هذه الإجراءات التى غلب عليها طابع الإنفعال والإرتجال والتى بدات للمواطن السويسرى وكأنها اجراءات انتقامية للمعاملة القانونية التى لاقاها نجل العقيد القذافى فى كنتون جينيف .. كل هذه الإجراءات قد اتخذت قبل يوم 29 نوفمير 2009 وهو اليوم الذى نظم فيه الإستفتاء فى إطار فلسفة "الديموقراطية المباشرة" السويسرية والمعروفة بنزاهتها دوليا (حرية الراي والتعبير+ التصويت السرى مضمونان). وقد نشرت كثيرا من المقالات والتعليقات حول نتائج الإستفتاء ومنها مقالات اشير فيها الى الدور الحاسم الذى لعبته  الإجراءات "الإنتقامية" ــ التى اتخذتها ليبيا عقب التحقيق مع ابن العقيد القذافى وزوجته، وخاصة تلك التصريحات "النارية" المنادية  بضرورة تفكيك الدولة السويسرية وتقاسم اشلائها ــ  فى تغيير آراء الكثير من الناخيبين السويسريين والتصويت لصالح اقتراح اليمين المتطرف ــ المعادى لجميع الأجانب فى سويسرا مسلمين وغير مسلمين ــ بعدم السماح بإقامة مآذن جديدة، كإجراء وقائي ضد "التصعيد الليبيى"، الذى رأوا فيه، خطأ او صوابا، خطرا محدقا بسيادة بلادهم وعدوانا متعمدا محتملا ضد سلامة أراضيها. وفى هذا السياق فقد فاجئت نتيجة الإستفتاء جل المراقبين وحتى الحكومة السويسرية والبرلمان  اللذان سبق وان حثا المواطنين على رفض موضوع الإستفتاء  على أساس أنه يتعارض مع الدستور السويسري وحرية العبادة والتسامح التقليدي الذي تفخر به سويسرا. وقد جائت نتيجة الإستفتاء فعلا مخالفة لكل استطلاعات الراي  وكل التوقعات التى سبقت الإستفتاء حيث صوت اكثر من 57% من المشاركين فى الإستفتاء ونسبتهم 55% من مجموع الناخبين فى سويسرا .. صوتوا لصالح منع إقامة مآذن جديدة فى البلاد وليس منع بناء مساجد  او "بيوت الله"، كما جاء خطأ فى بعض التعليقات. وبرغم هذا فقد تقدمت منظمات سويسرية رسميا بشكوى  للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان للنظر فى قانونية الإستفتاء والتأكد من انه لا ينتهك حقوقا اساسية تضمنتها منظومة حقوق الإنسان الدولية. وفى نفس السياق فقد قامت احزاب سياسية ومنظمات أهلية وشخصيات سويسرية مرموقة بتكوين لجنة مهمتها العمل من اجل اجراء استفتاء جديد لإلغاء الحظر على بناء مآذن جديدة في البلاد.
 3. لقد تعاملت الدبلوماسية الليبية مع ملف العلاقات الليبية السويسرية دون الأخذ فى الإعتبار المصالح العليا للدولة الليبية ودون احترام مهمتها الأساسية والتى يمكن تلخيصها فى المحافظة على أمن الليبيين وحقوقهم وتامين سلامة الاراضي الليبية وتعزيز مصالح الليبيين المادية والمعنوية وذلك عبر اللجوء الى الوسائل السلمية لحل الخلافات التى تنشب بين الدول وهي خلافات طبيعية لا يمكن استبعادها فى العلاقات الدولية حتى بين اقرب الحلفاء. ولا يسع الرابطة الا تسجيل فشل الدبلوماسية الليبية فى ايجاد الصغة المناسبة لهذا الملف واللجوء الى لغة الإحتراب والمفردات غير الدبلوماسية بدل لغة الحوار متناسية انه لم تندلع حربا عبر التاريخ بين اطراف إلا وكان سببها الكلام الذى يمكن ان يتسبب فى جروح عميقة لا تندمل . كما تناست الدبلوماسية الليبية ان استعمال لغة الإستعلاء المفرط والنظرة الدونية للآخر وتهديده هي الوصفة المثلى  للكراهية التى لا يمكن للدين ان يكون مصدرا لها بل هو مصدر للتسامح وهو لا ينمّى الحقد فى نفس الإنسان بقدر ما يبذر فيها التوجهات الخيرة البعيدة كل البعد عن الكراهية والحقد. ليس هناك من شك فى ان الدبلوماسية الليبية قد ضحّت وايضا فرطت بمصالح تجارية  ومعنوية مهمة للدولة الليبية  فى سبيل ملف كان بالإمكان حله عن طريق القضاء لا سيما ان الدبلوماسية الليبية قد تدخلت سابقا فى قضايا انتهاك القانون من جانب نفس الشخص (ابن العقيد القذافى) فى فرنسا والدنمارك ونجحت فى الوصول الى نتائج مرضية دون الإخلال بمصلحة البلاد العليا التى تتطلب المحافظة على علاقات طبيعية مع جميع الدول والإحتكام الى القانون والقضاء العادل  فى حالات الإختلاف. وتطالب الرابطة من هذا المنطلق الدبلوماسية الليبية بالآتى:
 أولا:  الكف عن اطلاق التصريحات غير المقبولة من المجتمع الدولى وتكريس جهودها للعودة الى اللغة الدبلوماسية الرصينة بغية حلحلة ملف العلاقات الليبية السويسرية وإحالته الى لجنة التحكيم، التى تكونت عقب اعتذار الرئيس السويسرى الي رئيس وزراء ليبيا، لدراسته وإبداء الراي فيه واقتراح طريقة لحله.
ثانيا: الإفراج عن السجين السويسرى، ماكس جويلدي فى أقرب وقت وتأمين سلامة عودته الى بلاده وأهله.
ثالثا:العمل على دفن دبلوماسية الإستفزاز واستبدالها بدبلوماسية مهنية بغية طمأنة الليبيين على امنهم وسلامة اراضيهم اولا ولأرسال رسالة الى العالم الخارجى مفادها انه ليس لليبيا اي كراهية أوعداوة ضد شركائها التى تتبادل معهم التمثيل الدبلوماسى  بما فيهم الإتحاد السويسرا التى لم تقطع ليبيا علاقتها معه حسب علم الرابطة.
 ثالثا:  اتخاذ الإجراءات المناسبة لفتح تحقيق فورى مع الأجهزة الأمنية التى يمكن أن تكون قد شجعت مجهولين للهجوم على المحلات التجارية فى طرابلس وبنغازى، عشية إعداد هذا البيان، والتى تتعامل تجاريا مع سويسرا وسرقة محتوياتها تحت بصر وسمع اجهزة أمنية رسمية. ولا بد فى هذا الخصوص من تعويض المتضررين عن الخسائر التى لحقت بهم من جراء فشل الدولة فى توفير الحماية اللازمة لهؤلاء المتضررين ولممتلاكهم.
4 مارس 2010 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق