الاثنين، 23 مارس 2015

تونس_أفكار الطالبي... اختبار حقيقي لحرية الفكر في تونس الجديدة


دويتشه فيليه: "الأفكار الثورية" التي يطرحها المفكر التونسي محمد الطالبي بشأن شرب الخمر والبغاء وقضايا دينية أخرى وما نتج عنها من ردود أفعال داخل تونس تضع التجربة الديمقراطية الناشئة وحرية الفكر في هذا البلد محل اختبار حقيقي. أجواء الحرية التي تعيشها تونس بعد أربع سنوات من ثورتها، فتحت الباب لتناول معظم القضايا بالنقاش، بما فيها التي تعتبر حساسة أو محظورة دينيا أو مجتمعيا، وقبل أيام قليلة من الإعتداء الإرهابي على متحف باردو في قلب العاصمة تونس، كان اهتمام وسائل الإعلام المحلية في البلد مسلطا على قضية فكرية شائكة فجرها المفكر والمؤرخ محمد الطالبي، الذي هدده متطرفون بالقتل. بالنسبة لكثير من المحللين، لا يختلف وقع الصدمة التي أحدثتها آراء المفكر الشهير محمد الطالبي في المجتمع التونسي هذه الأيام كثيرا عما فعلته الثورة الكوبرنيكية لعالم الفلك نكولاس كوبرنيك في مجتمعات عصر النهضة التي كانت خاضعة لسلطة الكنيسة قبل قرون. لكن على عكس نيكولاس كوبرنيك فإن الطالبي لا يشتغل في الحقل الفلكي بل إنه كرس فكره وكتبه و"الجمعية الدولية للمسلمين القرآنيين" التي أسسها على تجديد الفكر الديني انطلاقا من معالجة أمهات القضايا الدينية معالجة عقلانية بعيدا عن الشريعة وباعتماد كتاب الله وحده، كما يقول المفكر. ألف محمد الطالبي 26 كتابا تناول فيها المسائل الدينية الشائكة بمنهج علمي صارم لكنها لم تحدث زوبعة بين وسائل الإعلام والمنابر الدينية في تونس مثل تلك التي أحدثتها آراؤه في محاضرة حول الخمر والبغاء وتوصله ضمن بحثه وتفكيره إلى أن القرآن لا يتضمن تحريما صريحا للخمر والبغاء، وهي آراء ترتقي في المجتمعات الإسلامية المحافظة والمتشددة حتى مرتبة الكفر.
 
طارق القيزاني، مراسل DW عربية في
حوار مع المفكر التونسي محمد الطالبي
 
"مجرد رأي وليس بفتوى ملزمة"
وعلى الرغم من أن الأمر يتعلق ببلد يصنف من بين الأكثر الدول تحررا في المنطقة العربية والإسلامية ومن أبرز المستهلكين للخمور، فإنه مع ذلك أحدثت آراء الطالبي انقساما بين مؤيديه من النخبة العلمية والعلمانية خاصة وبين مناوئيه الذين كالوا له الاتهامات وصلت حتى اتهامه بالهذيان والهرطقة. ويقول الطالبي في حوار أجرته معه DWعربية(قبيل الإعتداء الأخير على متحف باردو) إن رأيه لم يكن يحتمل كل هذه الزوبعة لأنه يظل مجرد رأي ولا يتعلق الأمر بفتوى ملزمة، ويقر في المقابل أن دوره كمفكر يقتصر على إبداء رأيه وإثارة القضايا للرأي العام لكنه لا يحض الناس على تبنيها. ويوضح الطالبي "أسست الجمعية من أجل تجديد الفكر الإسلامي. وأول شيء انطلقنا فيه هو إلغاء الشريعة لأن من وضعها هم أناس مثلنا. ونحن لا نعتمد إلا على القرآن، والغاية من ذلك هو تجديد الفكر الإسلامي عبر اثارة القضايا التي تثير تساؤلات الناس من ذلك شرب الخمر إن كان حلالا آم حراما. والسؤال لم يكن وليد هذه الفترة لكنه طرح منذ قرون".
أفكار ثورية من اجل الإصلاح والتجديد
ومع خطورة وجرأة هذا التساؤل الذي يطرحه الطالبي إلى جانب حق المرأة في البغاء فإن موجة كبيرة من الانتقاد سادت في المنابر الإعلامية وصلت إلى حد اعتبار تلك المقولات من قبيل الخرف والهذيان صادرة عن شيخ طاعن في السن، كما لم تسلم من الانتقاد المؤسسات الإعلامية التي خاضت بإطناب في الموضوع وسط ظهور متكرر للطالبي. ويشير المفكر في الشؤون الإسلامية مازن الشريف لـDWعربية إلى أن ما يطرحه الطالبي لا يخرج عن العبث والفوضى كونه لا يحمل صفقة الفقيه ولا المجتهد كما انه يخوض في مسائل تم الحكم فيها بشكل قطعي فضلا عن أنها تدفع نحو تأجيج مناخ التعصب والتكفير في البلاد. ويوضح الشريف بالقول: "أفكار الطالبي تخريبية وانتقائية ولا تركز إلا على الجوانب السيئة التي ظهرت في الحضارة الإسلامية. كان عليه أن يسأل ماذا سيفيد هذا الطرح المجتمع في هذا التوقيت". وفي الواقع لا يتوقع الطالبي إحداث تغيير فعلي للمجتمع على المدى المنظور عبر أرائه الثورية لكنه يأمل في إصلاح وتجديد مناهج التعليم في الجامعات الدينية وإرساء ثقافة حقوق الإنسان وحرية الدين وحرية التعبير وعدم التكفير.
حرية الرأي والتهديدات الأمنية
وحتى الآن لم تبد السلطة تضييقا على أفكار الطالبي لكن الأخير حذر من أن أي تهديد لحرية الرأي في المسائل الدينية سيعيد الأوضاع إلى نقطة الصفر في تونس أي ما كانت عليه الحقوق والحريات في البلاد قبل الثورة. ويضيف الطالبي "الرئيسان بورقيبة وبن علي كانا يدعوان إلى تجنب الآراء التي تفرق بدعوى العمل على توحيد الصفوف في حزب واحد. وهو الشعار الذي تم توظيفه للتصدي لأي اتجاه نحو التعددية كما تم توظيفه لملاحقة المعارضين في الرأي والفكر. لكنني لن أسكت". ولم تدخل السلطة الدينية الرسمية في البلاد في نقاش مع الطالبي لكن مفتي الديار حمد سعيد أدلى بدلوه فيما يقوله المفكر المثير للجدل عبر بيان نشره بوسائل الاعلام أكد فيه بأن تحريم الخمر وكل أنواع المسكرات والمخدرات أمر لا منازعة فيه ولا يرتاده الشك والارتياب بأدلة متعاضدة من الكتاب والسنة وإجماع علماء الأمة قديما وحديثا. وأضاف في بيانه "على أن قضية الشعب التونسي اليوم بل أم القضايا عندنا هـي التغلب على الإرهاب، وتحقيق التنمية في كل أبعادها، وحل مشاكل البطالة. وما عدا ذلك فهو إلهاء للعقول وصرف للعزائم فيما لا جدوى منه”. وليست دار الافتاء وحدها من أبدت استياء من أفكار الطالبي اذ وصلت شظاياها إلى المؤسسة الأمنية التي تخوض حربا مفتوحة مع الجماعات المتشددة لكنها تجد نفسها أيضا لتسخير جزء من طاقاتها لحراسة الشخصيات العامة المهددة بالاغتيال من قبل التكفيريين. ويعتبر محمد الطالبي اليوم آخر المشمولين بالحراسة الأمنية التي وفرتها الداخلية أمام مقر سكنه. ويقول وليد زروق كاتب عام نقابة الأمن الجمهوري لـDWعربية إن آراء الطالبي من الناحية الأمنية تضفي مزيدا من القلق والشحن لدى الوضع العام في البلاد خاصة وأنها تخص مواضيع حساسة ومحظورة اجتماعيا وفي توقيت أيضا حساس اذ تواجه فيه البلاد مخاطر إرهابية وخلايا نائمة يمكن أن تمثل تلك الآراء محفزا لتحركها وقد تضع حياة الطالبي نفسه في خطر. لكن زروق ومع انتقاده لما سماه بظاهرة "صناعة رأي عام والتظليل" فإنه يؤكد في المقابل ان الدولة مطالبة بضمان حرية التعبير وتوفير الحماية للمفكر محمد الطالبي طالما ان حياته باتت مهددة من الجماعات المتشددة.
اختبار للديمقراطية الناشئة
وبغض النظر عن حساسية الموضوع الذي يطرحه الطالبي فإن آراؤه تضع فعليا الديمقراطية الناشئة أمام اختبار جديد في مجال احترام الحريات والحقوق التي تعهدت بها المؤسسات المنتخبة بأطيافها العلمانية والإسلامية. وربما عن غير قصد تدفع آراء الطالبي إلى إسقاط أحد أخطر التابوهات في الفكر الديني وتحسس الحد الفاصل بين حرية التعبير والمعتقد في دولة لا يزال الخوض في الموروث الديني فيها بالغ الحساسية على غرار باقي المجتمعات الإسلامية. وتبين آمنة قلالة وهي باحثة ومديرة مكتب منظمة "هيومن رايبتس ووتش" في تونس لـDWعربية ان النقاش في المسائل الدينية والقضايا المجتمعية يظل معقدا في الدول العربية مع انها لا تخرج عن نطاق حرية التعبير لكنها تستدرك بأن مجرد طرح النقاش بشأن آراء الطالبي يدل على ان حرية التعبير متداولة في وسائل الإعلام بتونس. وتبدي قلالة مع ذلك تحفظا بسبب المخاطر التي يمكن أن تهدد حياة الطالبي بعد إدلائه بآرائه الجريئة مشيرة إلى أن "الطالبي تعرض لتهديدات وتكفير من جماعات متشددة وعلى الدولة ان تأخذ بعين الاعتبار أفعال سابقة في التكفير والاغتيال وتتخذ الإجراءات اللازمة لحماية الطالبي".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق