الأربعاء، 10 فبراير، 2016

فنون_المسرح في باريس… حين يسخّف الألم وينتصر للحياة


 
القدس العربي: تؤسس المأساة حكايات كثيرة على مسارح باريس. وعلى الرغم من أن الجمهور يفضل القصص المفرحة، إلا أن الألم يأخذ حيزاً واسعاً من الأعمال التوليفية فوق خشبة المسرح الباريسي المعروف بازدهاره، ولو بشكل بطيء، لاسيما أنه لا زال يشكل إحدى حركات المشهد الثقافي في مدينة النور. إلا أن هذه الأعمال المسرحية تسعى إلى تحويل المأساة إلى مساحة مرح، يعمل كتاب نصوصها على اجتذاب الجمهور من خلال «تسخيف» الألم، وتركيبه كبناء هش، يمكن هزيمته بالضحك.
مسرحية «خبيث» إحدى هذه النماذج، التي لاقت رواجاً جماهيرياً، على الرغم من الحزن الذي يعيش في تفاصيل مشاهدها ونصها المأخوذ من قصة عراك مع مرض السرطان، ومواجهة يومياته، حيث تواجه صبية جميلة في العشرينيات فجأة المرض، وتكتشفه على غفلة فيحول حياتها إلى قلق دائم وخوف مستمر، لا نلبث أن نراه جلياً في المشاهد والمقاطع المسرحية التي أدتها الممثلة نويمي كايو، وحدها فوق خشبة المسرح. تتخطى كايو النص نفسه، ومنذ العرض الأول للمسرحية العام الماضي ضمن فعاليات مهرجان «أفنيون» المسرحي، تحولت كايو إلى نجمة معروفة. أسس عملها لنقلة لافتة لتراجيديا المسرح عبر تأدية الدور بإتقان يبرز قوة الفرد الشخصية في مواجهة المخاوف وهواجس المرض والشعور بالموت. وانتقل العمل منذ شهرين إلى خشبة مسرح «سان مارتان» الباريسي بعد أن نال شهرة فاقت التوقعات. وكان الجمهور يخرج بعد العروض متأثراً بقدرات البطلة التي استلهمتها كايو من تجربتها الشخصية مع سرطان الثدي، الذي عانت من علاج طويل ما لبث أن حررها منه. وتحكي كايو قصة السرطان بطريقة مسلية وغير نمطية، وتحول مأساته إلى ابتسامة مشدودة تطغى على بنية النص المسرحي ولغته، فتعبر بشكل واضح عن أن المرض ليس سوى دخيل عليها قتلته بنفسها وتحدي ذاتها، من خلال سرديات يومية وحوادث تنقلنا بسلاسة عبرها.
الموضوع نفسه، اندرج أولوية في مسرحية « 85 B»، من تأليف الممثلة ميليس ماني، التي استخدمت الدمى المتحركة لتروي حكاية صبية مصابة بالسرطان أيضاً، تعمل جاهدة من أجل الاستمرار والتداوي ضد المرض. وهي قصة مستوحاة من تجربتها الشخصية، على غرار كايو. اختارت ماني دميتين، واحدة تحكي عن امرأة جذابة جميلة معافية، والثانية تؤدي دور المرض الخبيث، وشكل الدمية مفزع وقبيح. هذا الإسقاط لم يخضع للأحكام المسبقة حول المصابين بمرض السرطان، أو في كيفية تلقينا خبر إصابتهم ومواجهتهم، أو شعورنا بـ»التعاطف» معهم، بل تأخذنا المسرحية مع الدميتين إلى المواجهة البعيدة عن الدراما القاتلة، أو اللعب على عنصر «الشفقة». فالبطلة تحاور ذاتها في النص، أي أنها تتجاوز رغبتها في الشعور بالحاجة إلى الدعم، بل هي في مواجهة دائمة وحرّة. وهذه المواجهة لا يمنعها مرض قبيح مثل السرطان من استمرارها في التحدي. فنراه كأنه تفصيل يمكن كسره والانتصار عليه، إذا ما كنا اولاً واخيراً، نحاول الانتصار لأنفسنا. النصان وإن لم يأتيا بجديد لافت، إلا أن الميلودراما المتمكنة في حوادثهما، والأداء الحركي والسمعي، على المسرح، للدميتين ولكايو نفسها، يقربوننا كمشاهدين من معاناة شخصية لم تفكك عنصر الحياة الكامن في الألم نفسه، وهذا ما يزال يحاوله على الأقل المسرح الفرنسي في تجربته الحديثة. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق