الأربعاء، 3 فبراير 2016

اقتصاد_لا تتجاهلوا الغاز الطبيعي وأبعاده الجيو-استراتيجية!


 
إيلاف: تقامر رويال دوتش شل باستحواذها على شركة الغاز البريطانية العملاقة بي جي حيث أعلن بن فان بيوردن، الرئيس التنفيذي لشركة رويال داتش شل، إنه يتوقع أن تصبح شركته أكبر شركة للغاز الطبيعي المسال في العالم. مغامرة شل لم تكن مجازفة لأنها تدرك أهمية الغاز الطبيعي كمصدر طاقة حيوي في تغذية حاجة العالم المتنامية للطاقة، ولاحظنا في الشهور الأخيرة كيف أهملت صفحات الاعلام موضوع الغاز وركزت اهتمامها على النفط وأسعاره. لذا، لا بد من خلفية توضيحية لمشهد الغاز الطبيعي ودوره الجيو-استراتيجي الذي لا يقل أهمية عن النفط.
نقلة نوعية
شهدت بداية الألفية الثالثة نقلة نوعية في صناعة استخراج الغاز الطبيعي وتسويقه، عندما أشار تقرير وكالة الطاقة الدولية الصادر في عام 2011 إلى أن العالم بدأ يدخل في ما أطلق عليه التقرير "عصر الغاز الذهبي". وفي تقرير سابق، توقعت وكالة الطاقة الدولية أن يحلّ الغاز الطبيعي محل الفحم الحجري بحلول العام 2020 كثاني أكبر مصدر للطاقة الأولية في العالم بعد النفط، وهذا التوقع أخذ بعين الاعتبار زيادة الطلب على الغاز الطبيعي من دول آسيا الصناعية الكبرى مثل الصين واليابان والهند وكوريا الجنوبية. رافق نظرية العصر الذهبي للغاز ثورة الغاز الصخري في الولايات المتحدة الأميركية في العشر سنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين. ولا يزال الغموض يكتنف الآثار الجيوسياسية لهذا العصر الذهبي، خصوصًا أن تلك الآثار ترتبط بخصائص السوق كالعرض والطلب والتكلفة والسعر كما سنرى في جزء لاحق من المقال. وبسبب التطور التكنولوجي السريع في مجال اكتشاف واستخراج الغاز الطبيعي الصخري ستنخفض تكلفة الانتاج مما سيساعد في نمو هذا القطاع الهام. لكن توافر الغاز الصخري بشكل غزير سيكون على حساب الغاز الطبيعي التقليدي، وهذا سيدفع بالأسعار إلى أسفل. لكن، في المدى القصير، التأثير السلبي سيكون محدودًا. وعلى المدى المتوسط، ستواصل دول آسيا اعتمادها على المصادر التقليدية الخليجية.
قطر لاعب كبير
ليس من الممكن مناقشة موضوع الغاز الطبيعي المسال دون التطرق إلى قطر التي تمتلك أكبر حقول الغاز في العالم، فقد تم اكتشاف حقل غاز الشمال، في عام 1971. ويعتبر هذا الحقل، وفق ما تشير إليه وزارة الطاقة والصناعة القطرية، من أكبر حقول الغاز الطبيعي في العالم. تصل مساحته إلى 6 آلاف كيلو متر مربع، ويضم نحو 800 تريليون قدم مكعبة من الغاز الطبيعي. ليس اذا مستغربًا أن تحتل قطر المرتبة الثالثة عالميًا من حيث احتياطات الغاز المؤكد، بعد روسيا وإيران. فهذا الحجم من الغاز يشكل حوالى 20 في المئة من احتياطي العالم من الغاز. وتتصدر قطر لائحة الدول المصدّرة والمنتجة للغاز المسال في العالم حيث استحوذت على أكثر من 30 في المئة من صادرات الغاز الطبيعي المسال عالميًا خلال عام 2013. وبلغت صادرات قطر حوالى 77 مليون طن متري في عام 2013، من أصل 236.3 مليون طن متري عالميًا. وكان الشرق الأوسط مصدر أكثر من 40 في المئة من واردات الغاز الطبيعي المسال، ويأتي 75 في المئة من الطلب على الغاز من الدول الآسيوية. وبحسب مصادر إعلامية عربية وأجنبية، على الرغم من ضخامة الانتاج والتصدير، فإن قطاع الغاز في قطر يعتبر في مرحلة توسّع في الأسواق العالمية، بعدما سيطر القطاع على الأسواق الآسيوية وجزء لا يستهان به من الأسواق الأوروبية. ووقعت قطر في العامين الماضيين عقود تصدير مع دول آسيوية وأوروبية وأميركية، خصوصًا مع تايوان وبلجيكا واسبانيا وايطاليا وكوريا الجنوبية والهند. وانشأت قطر أكبر مصفاة لمكثفات الغاز الطبيعي في العالم، وهي مصفاة لفان التي بدأت الإنتاج في أيلول (سبتمبر) 2009.
التصدير الأميركي
في تطور دراماتيكي حديث، سمحت السلطات الأميركية أخيرًا، أول مرة في تاريخ أميركا، بتصدير الغاز وستبحر ناقلة "اينيرجي اتلانتيك" العملاقة محملة بالغاز الطبيعي المسال الأميركي من مجمع سابين باس جنوب ولاية لويزيانا على خليج المكسيك هذا الشهر، في طريقها إلى أوروبا لتسليمها لشركة الغاز العملاقة بي جي البريطانية،  أول زبون للغاز الأميركي الطبيعي المسال. هذه اول مرة تجد اميركا فائضًا عن حاجتها من الغاز، وهذا يصادف استحواذ رويال دوتش شل على عملاق الغاز البريطاني بي جي بقيمة 36 مليار جنيه استرليني، اي حوالى 44 مليار دولار. ثمة سؤال يثير اهتمام المراقبين: هل يهدد توافر الغاز النفط كمصدر فعّال وآمن للطاقة؟ فالغاز الطبيعي يتمتع بميزات تجعله جذابا في الأسواق، منها أنه نظيف بيئيًا ويستعمل في محطات توليد الكهرباء. لكن القاسم المشترك بين النفط والغاز أن كلاهما يعانيان تخمة في الانتاج، حيث ينتج من النفط مليون إلى مليوني برميل يوميًا فوق حاجة السوق، بينما الغاز الطبيعي المسال ينتج 10 في المئة فوق حاجة السوق، وهذا هو سبب هبوط الأسعار. عندما كانت أسعار الغاز الطبيعي عالية نسبيًا في الأعوام الأولى من الألفية الثالثة، شجع ذلك على انفاق مفرط على مشاريع انتاج غاز اضافية والتي بدأت الآن تصل إلى الأسواق ومنها مشروع بي جي في كوينزلاند غرب استراليا الذي بلغت تكلفته 20 مليار دولار والذي سيصبح من ملكية رويال دوتش شل بعد استيلائها على بي جي.
عملية معقدة
بحسب صحيفة الصندي تايمز البريطانية هناك توقعات بأن يصعد الانتاج العالمي للغاز الطبيعي المسال بنسبة 43 في المئة بين الآن وعام 2020. ومعظم ذلك الانتاج سيأتي من مشاريع تمت الموافقة على تنفيذها في الولايات المتحدة والمتوقع انها ستكون قادرة على تصدير 62 مليون طن سنويًا. قبل تصاعد انتاج الزيت الصخري، كانت اميركا مستوردًا كبيرًا للطاقة من النفط والغاز، لكن ثورة الزيت الصخري غيّرت كل ذلك حيث يشكل الغاز المسال 10 في المئة من الغاز المستهلك عالميًا، والبالغ 3400 مليار متر مكعب سنويًا. يجب التذكير بأن عملية استخراج الغاز وتنقيته وتجفيفه وتجميده وتحويله إلى سائل مستقر ومتوازن وقابل للشحن البحري في سفن عملاقة وتصديره عملية معقدة جدًا وذات تكلفة باهظة، لكن مع التطور التكنولوجي تقل التكلفة مع الزمن. منذ عام 2000، ازدادت انتاجية الغاز المسال بمقدار 3 اضعاف ويمكن تصديره الآن لأي بلد يمتلك محطات او مصانع تحويلية اي قادرة على تحويل السائل إلى غاز وشبكات للتوزيع، بينما تزداد حصة الغاز المسال في السوق العالمي وتهبط الأسعار. في الولايات المتحدة مثلًا، يباع الغاز بسعر 2.2 دولار لكل مليون وحدة حرارية (هذه هو المقياس العالمي) لتسعير الغاز وفي اليابان السعر 7.40 دولارات، واوروبا 4.50 دولارات، أي هناك فجوة واسعة بين السعر الأميركي الرخيص والياباني المرتفع. المعضلة أن عقود سعر الغاز ترتبط بعقود سعر النفط، لكن الفروق الشاسعة بين اسعار الغاز في المناطق المختلفة من العالم قد يقود في النهاية إلى فك هذا الارتباط. يأتي الطلب الأكبر على الغاز المسال من كوريا الجنوبية والصين واليابان وتايوان وهذه الدول تستوعب 70 في المئة من الغاز المسال المشحون بحريًا. لكن الآن بدأ هذا الطلب يتقلص لأسباب مختلفة ولكن في حالة الصين التباطؤ الاقتصادي قلل الطلب على الطاقة بشكل عام. وفي اليابان ازداد استعمال الطاقة الشمسية بسبب كارثة فوكوشيما النووية عام 2011.
روسيا .. وإيران
أمام هذه الديناميّات، لا تقف روسيا موقف المتفرج، فغازبروم هي أكبر مزود للغاز الطبيعي في اوروبا، وهي تواصل تصعيد انتاجها من الغاز لتعويض تراجع العائدات بسبب انهيار أسعار النفط. ومعظم هذا الغاز يجد طريقه إلى اوروبا الغربية عن طريق أنابيب ومن المتوقع أن تكون هناك حرب اسعار بين غازبروم والشركات الأخرى التي تزود الغاز الطبيعي المسال لأوروبا. من الطبيعي أن تقاوم غازبروم أي منافسة للاحتفاظ بحصتها. وتعرضت روسيا لانتقادات شديدة بسبب استخدام صادراتها من الغاز إلى غرب أوروبا وتركيا كسلاح اقتصادي، رُغم أن قرار تركيا الأخير باستيراد الغاز من إسرائيل أفقد السلاح الروسي أهميته. وأوروبا بدأت ترحب باستيراد الغاز المسال من الشرق الأوسط لتقليل الاعتماد على مصدر غير موثوق مثل روسيا التي تلجأ إلى سياسة الابتزاز لأغراض سياسية. كما أن رفع العقوبات عن ايران يعني أن مصدرًا كبيرًا للغاز الطبيعي المسال سيتوفر بعد انهاء مشروع الغاز المسال الضخم الذي توقف في عام 2012، بعد فرض الجولة الأخيرة من العقوبات على إيران بسبب برنامجها النووي. يتوقع الخبراء أن يتم انهاء العمل في المشروع خلال 4 سنوات. حقل فارس الجنوبي هو حقل غاز طبيعي يقع في الخليج العربي، وبالنسبة إلى قطر فهو حقل غاز الشمال وتتقاسمه قطر وايران، وهو أكبر حقل غاز في العالم، يضم 50.97 تريليون متر مكعب من الغاز، وتبلغ مساحة حقل غاز الشمال نحو 9,700 كيلومتر مربع منها 6,000 في مياه قطر الإقليمية وحوالى 3700 في المياه لإيرانية، اكتشف الحقل عام 1971 وبدأ الإنتاج فيه في عام 1989. إنخفاض أسعار الغاز مصدر قلق شديد لمن يمتلكون مصادر الغاز. وهناك بريق أمل لتخفيف قلق منتجي الغاز، وهو سياسة اغلاق محطات توليد الكهرباء التي تستعمل الفحم الحجري لصالح الغاز الطبيعي النظيف بيئيًا، كما أن انتاج الغاز والزيت الصخري الأميركي بدأ بالتراجع في الشهور الأخيرة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق