الأحد، 3 يناير، 2016

رافت الخراز_رأفت الخراز: الفجر

الفجر*

انبهر خالد بجمالها.. الخال يحتضنه الخد.. والخجل يتناغم مع الاطراق.. والقوام رشيق مفعم بالصبا.. صديقه  فرج أيضاً كان هو الآخر مبهوراً.. وبمجرد أن حيتهما مغادرةً المدرج.. قال خالد  له:
- جميلة.
- وكذلك حديثها جميل.. لم نعرف أسمها.
- أعدك أني سأعرف عنها كل شيء متى تسنى لنا اللقاء القادم.
- وكيف ستستطيع..؟!
- هذه أمور لا تجدها في قصائد الزهد التي تقرأ.
"ليلى".. هكذا تُدعى.. يحضرها سائق أبيها كل صباح من "طابلينو" إلى جامعة "قاريونس" كعلامة ثراء.. ولكنها أخبرت خالدا أن اسمها الحقيقي هو "أم الخير".. صارحته بأمور كثيرة.. باحت له بأسرارها.. اعتبر ذلك امتيازاً منحته إياه دون صديقه.. راقته جداً وسيطرت بأنوثتها على تفكيره.. أشار بذلك لفرج عله يكف عن محاولات التودد اليها.. ولكن عبثاً.. قال خالد في نفسه (سخافة يجب إيقافها) ثم واجهه:
- هل تريدها حقاً..؟
- لازلت أجربها.
- وإذا أخبرتك أنني جربت وقررت..؟
أخذ الصمت يدب بينهما كالسلحفاة لبرهة.. ثم أجابه:
- لا تكن أنانياً.. لازال كلانا يحاول.
- أنت تناور.. قلت لك قد قررت.. أحبها يا أخي وهي تحبني!.. أنا جاد هذه المرة فــ " ليلى" تختلف عن كل اللاتي عرفت من قبل.. أظنك ستتسامى بصداقتنا عن نزاع مخجل حول فتاة يا صديقي فرج.
- بالطبع.. مادام الأمر كذلك فمؤكد سأنسحب.
ثم استطرد بعد ان أشعل لفافة تبغ بيد انتابتها رعشة يسيرة:
- الذي خلق.. خلق  سواها.
اطمئن بال خالد.. وأضحى يلتقى بها منفردة في ركن قصي اعتاد جمعهما.. حرص على إمداد "فرج" بكافة التفاصيل وكأنه بذلك يدفع عن نفسه تهمة الأنانية التي رماه بها.. وذات ليلة فوجئ به ثملاً.. بيّن السُكر.. يطرق بابه آخر الليل.
- أهلاً!
- اسمع.
ارتمى على مقعد وهو يلهث.. ثم تابع:
- ليلى لا تحبك.. تحبني أنا.. لم تخبرني ولكني أدرك ذلك جيداً من نظراتها، أدركه من فؤادي.
وكأنما ألقى على خالد دلو ماء مثلج فجأة.. تجمد بسماع ما لم يخطر بباله.. حسب الأمر قد انتهى منذ يوم المواجهة.. ولكن ها هو القناع يماط.. قال له:
- أنت سكران.
هز رأسه بالنفي مراراً.. ثم قال ونثار اللعاب يتطاير من فيه:
- كلا.. لستُ سكراناً.. أعي كل كلمة أقولها...
ثم تجشأ فانكمش وجهه بتقزز..  أردف مشدداً على الحروف الجامحة ومشيراً إلى صدره:
- انها تحبني أنا.. أنا لا أنت.
- نم ليلتك هنا وفي الصباح نتحادث.
- بل الساعة يُفصل الأمر.
نفد الحِلم فصاح به:
- ليلى تحبك.. فهمنا..  ماذا تريد الآن؟!
عادت السلحفاة تدب بينهما..انتاب ذهن فرج شرود يتخبط.. بينما بقى السؤال معلقاً يتأرجح كالبندول... أخيراً ربت خالد على كتفه وتمتم:
- نَم الآن.. الفجر قريب.
سرعان ما غط على المقعد دون حتى أن يخلع حذائه.. أما خالد.. فأيقن أن النوم هذه الليلة ولليالٍ كثيرة تالية لن يحظى به إلا لماماً.. حدق في الظلام كالأعمى.. وتفكّر: (صديق الطفولة ورفيق الدرب يسفر عن نذل.. أيعلم ما تعني لي ليلى ويبيح لنفسه حبها طيلة هذه المدة؟!.. من يدري؟.. ربما كان يسعى بيني وبينها.. ليوقد نار الفتنة حتى تخلص له وحده.. السكران فاسق ولكنه مع ذلك لا يتكلم الا الصدق.. حسبتُ صداقتنا رباط من فولاذ.. فكيف اندثر في الهواء شظايا بضربة واحدة..؟).
استيقظ فرج باكراً.. وما لبث أن شعر بصداع وظمأ شديدين.. شرب.. ومع كل جرعة أقبل طيفٌ باهت مما حدث.. عقله لازال مشوشاً متداخل الصور.. ولكن اجمالاً تشكل معنى مفهوم.. الرغبة التي ظنها مدفونة في أعماق الحشا.. انفلتت إثر بضع كؤوس زائدة.. مسح وجهه بماء على عجل.. أشعل سيجارة. ثم خرج دون أن يعرف إلى أين.. أنصت خالد المسهد إلى صوت الباب يُغلق.. ففتح عينيه إذ كان يدعي النوم.. زفر ثم تمتم:
- خسارة.
تجنب كلاهما الأماكن التي يمكن أن يتواجد فيها الآخر.. أصبح اللقاء بالنسبة اليهما عبئاً شديد الاحراج لن يستطيعا احتماله.. حكى خالد لرفيقته عما حدث.. فرفعت هذه كتفها باستهانة وقالت مرقصةً الخال:
- هو من أخطأ.. وعليه وحده تحمل مسؤولية خطأه.
بينما أخذ "فرج" يعاني شعوراً بالندم والوحشة.. هجر الكأس تماماً وخلص بكليته إلى هواية قصائد الزهد.. يحفظها ويتتبعها من كتاب إلى كتاب.. انفتحت له عوالم من خارج الأرض.. عشق حياة التسامي عن نزوات البشر والنظر إلى الدنيا من عل.. أصبح لألفاظ الآذان معانٍ عجب كيف غفل عنها لسنين طوال.. تبخرت ليلى من فكره.. مبقية أثراً قاتماً مبهم المعنى.. تألقت عيناه وازدان وجهه بطمأنينة منيرة.
مضى نحو سنتين بهت خلالهما لون الأحداث.. وتولدت عن الماضي عبر.. اختلف "خالد" مع "ليلى".. بسبب شك غمر احساسه حول وفائها فافترقا إثر شجار عنيف.. تنامى ذلك إلى سمع فرج في حينه فلم يجد له في فؤاده إلا أوتاراً ما عادت تهتز إلا عند السجود.. أجل.. يزوره احياناً شوق إلى أيام الصداقة القديمة.. ولكن خوفه من صدٍ مهين كان دوماً يثنيه. وذات يوم.. التقى مصادفة بأحد معارفه القدماء.. أجاب بكلماتٍ مقتضبة حيية على أسئلة الرجل المتعجبة من تغير أحواله.. إلى أن تلعثم عندما سُئل:
- وما أخبار صديقك خالد؟..
- خالد؟!.. أجل.. في الواقع.. أننا منذ مدة.. حـ.. حصل سوء تفاهم لم نلتقِ بعده.
- لا أصدق.. أنت وخالد!ّ!!.. من كان يتوقع؟!!..
- مشيئة الله.
انهالت الصور على ذهنه تباعاً حتى وصل إلى آخر ليلة.. ضيّق عينيه يتذكر.. ووجد نفسه يقول مبتسماً:
- أتدري؟!..آخر كلمة سمعتها منه كانت: نم الآن.. الفجر قريب.
رأفت الخراز
rr.alkaraz@gmail.com
  11-1995 - بنغازي
* إحدى قصص المجموعة القصصية التي لم تنشر بعد: (المرأة لا تخدع مرتين).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق