الجمعة، 22 يناير، 2016

مصر_بعد 5 سنوات من ثورة يناير: الخبز مقابل الحرية في مصر

بي بي سي: "الحال اليوم أفضل بكتير من قبل كده بكتير، دلوقت باخد 40 رغيف يوميا لثمانية أفراد، ومش بتعب زي الأول ولابتبهدل زي الأول ... نظام العيش حلو قوي ... وكمان لو ما اخدتش العيش ممكن آخد سلع من عند البقال". هكذا تحدثت أم جمال بالعامية المصرية البسيطة عندما سئلت عن رأيها في نظام توزيع الخبز المدعوم الذي تتبناه الحكومة المصرية حاليا. وكانت أم جمال قد اعتادت في الماضي أن تستيقظ قبل الفجر لتذهب إلى المخبز صيفا أو شتاء لتحجز دورا لها في طابور من البسطاء، يتشكل عادة قبل تشغيل فرن الخبز بساعات في إحدى قرى جنوب محافظة الجيزة. واعتادت أن تفعل ذلك لتضمن الحصول على 10 أو 20 رغيفا من الخبز، وإلا ضاعت فرصتها بسبب كثرة عدد المشترين وقلة الخبز المنتج في ذلك الوقت.
وظهرت أزمات الخبز في مصر على نحو قاس في السنوات الأخيرة في عهد مبارك، واستمرت لبعض الوقت عقب ثورة يناير 2011 التي أطاحت بمبارك من السلطة بعد 18 يوما. وكان الخبز أحد المفردات التي شكلت شعار ثورة يناير "عيش (خبز)، حرية، عدالة اجتماعية، وكرامة إنسانية" الذي هتف به المتظاهرون وقتئذ. واجتهدت الحكومات المتوالية بعد ثورة يناير في حل أزمات الخبز المتكررة التي أودت في بعض الحالات بحياة مواطنين في معارك أمام منافذ البيع. ودفعت حكومة هشام قنديل إبان حكم الرئيس المعزول محمد مرسي كلفة صناعة رغيف الخبز كاملة لأصحاب المخابز لتشجيعهم على استهلاك كل الدقيق المخصص لهم في صنع الخبز بدلا من "بيع الدقيق في السوق السوداء" كما جرت العادة في ذلك الوقت. لكن ذلك لم يمنع من استمرار تهريب الدقيق المدعوم وبيعه سرا وعدم حصول كثير من المواطنيين على الخبز رغم محالاوت الرقابة الجادة، لاسيما من قبل وزير التموين آنذاك، باسم عودة، المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين، الذي يحاكم حاليا في عدة قضايا.
جهود ناجحة في حل ازمة الخبز
وطبقت حكومة رئيس الوزراء السابق، إبراهيم محلب، في يوليو 2014 نظاما جديدا مراقبا إلكترونيا يسمح لكل مواطن مستحق للدعم بالحصول على خمسة أرغفة يوميا مقابل خمسة قروش للرغيف الواحد. ويحصل البائع على تكلفة الرغيف كاملة، وهي 35 قرشا تقريبا، عند استلام المستهلك للرغيف، ويتحقق من ذلك عبر بطاقة إلكترونية لصرف السلع المدعمة الأخرى أيضا. وبلغت فاتورة دعم الخبز وحده في مصر في 2014 ما يزيد على 22 مليار جنيه مصري، (أي قرابة 3 مليارات دولار). ونجحت الحكومة في تقليص تلك الفاتورة إلى 2.6 ملياري دولار من خلال تطبيق نظام توزيع الخبز الذي يخصص 150 رغيفا شهريا للفرد الواحد يحصل عليها بواسطة بطاقة السلع المدعومة التي يستفيد منها قرابة 70 مليون مصري. وفي يونيو 2015، قال وزير التموين المصري، خالد حنفي، إن مصر نجحت لأول مرة في خفض معدل استيراد القمح من 6.4 ملايين طن إلى 4.6 ملايين طن بواقع 1.8 مليون طن بعد أن تسلمت 5.3 ملايين طن من القمح المحلي. كما أضاف الوزير أن تطبيق منظومة دعم السلع التموينية الجديدة، بما فيها الخبز، قلص فاتورة دعم السلع التموينية في مصر بشكل عام من 47 مليار جنيه إلى 37 مليار جنيه، وبواقع 10 مليارات جنيه في موزانة 2015-2016.
الخبز مغموسا بالذل

لكن تلك النجاحات في منظومة السلع الغذائية وتوزيع الخبز، كأحد شعارات ثورة يناير، وجدت تحفظا لدى البعض. ويقول شادي الغزالي حرب، عضو ائتلاف شباب ثورة يناير، الذي حُل ذاتيا وتفرق أعضاؤه في يوليو/تموز 2012 بعد انتخاب مجلس النواب في ذلك الحين، إن شعار "العيش" لم يعن الخبز وحده. وأضاف "الشعار كان يعني كذلك توفير فرص العمل وتحسين الوضع الاقتصادي للمواطن وتحسين الأجور والرعاية الصحية والاجتماعية للمواطن ضمن عدة مطالب أخرى في نفس الإطار، ولم يتحقق أي من ذلك، بل إن فاتورة الخبز خصمت من ميزانية التعليم والصحة وغيرها". ويقول خالد عبد الحميد، منسق حركة الحرية للجدعان، إن الترويج لفكرة أن الحكومة الحالية قضت على أزمات الخبز لا تستند إلى حقيقة "الخبز موجود في ظرف يكاد يكون مغموسا فيه بكامل الذل والهوان الموجود في البلد". وقال عبدالحميد "أنهوا بالفعل ظاهرة الطوابير أمام المخابز، لكن البلد يستدين بمبالغ ضخمة لتوفير السولار المطلوب لصنع الخبز".
الحرية في انتكاسة
وعن تحقيق باقي مطالب ثورة يناير كالحرية والعدالة الاجتماعية استبعد عبدالحميد أن يكون شيء قد تحقق، قائلا "نحن أمام لحظة الثورة فيها مهزومة، والثورة المضادة هي من تحكم وتنتقم من كل من حاول أو فكر أو شارك أو حلم بوطن مختلف، بوطن العدل والعيش والحرية..." وأضاف "نحن أمام سلطة تعصف بالجميع، جيشت إعلاما إرهابيا حقيقيا ضد كل واحد يفكر في أن يقول كلمة مختلفة، وجيشت جمهورا يكاد يقترب إلى الفاشية في الشارع، تحت دعوى الحفاظ على الوطن من مؤامرات كونية ليست موجودة غير في أدمغتهم." وتحدث شادي الغزالي حرب عن قانون التظاهر الذي دفع بمئات الشباب إلى السجون والمعتقلات، بحسب قوله. وكان تحفظ شادي الغزالي حرب على إجراء المقابلة مع بي بي سي في ميدان التحرير، أو محيطه خشية مراقبة أمنية، دفعته إلى التوجس من عدد من الأشخاص أثناء إجرائها في موقع آخر.
النظام خائف
وقال حرب "الخوف موجود عند النظام الحاكم الحالي، وهذا الخوف واضح في طريقة تعامله مع ذكرى يناير الخامسة ... اعتقالات للشباب تحدث كل يوم ... أي نداءت للتعبير السلمي أو التظاهر السلمي لمجرد التذكير بهذه الشعارات العيش والحرية والعدالة الاجتماعية صارت مرفوضة تماما." وأشار حرب إلى أن قانون التظاهر الذي تبناه مجلس النواب، بعد عامين من الجدل، منذ خروج القانون للنور بقرار رئاسي في نهاية 2013، هو أحد وسائل "القمع" بحق المتظاهرين السلميين، وبسببه زج بعديد من شباب الثورة في السجون. أما ياسر رزق، رئيس مجلس إدارة أخبار اليوم، الصحفية شبه الحكومية، فيرى أن قانون التظاهر وضع في ظل ظروف استثنائية كانت تمر بها البلاد.
وأضاف رزق "في مزاج شعبي عام يرى أن مصر في حالة التهاب وأن الخروج في الشارع ربما يؤدي إلى اندساس عناصر مسلحة ... يمكن إطلاق الرصاص عليهم، ممكن تحدث مصادمات مع الشرطة، ومن الممكن أن تحدث تبعات تأخذ بنا إلى أجواء (أحداث شارع) محمد محمود وغيرها، وتحدث انتكاسة بعد استقرار." وكان شارع محمد محمود بوسط العاصمة القاهرة قد شهد مصادمات دامية بين متظاهرين غاضبين وأفراد من الشرطة في عامي 2011 و 2012 راح ضحيتها عشرات الأشخاص، واتهمت الشرطة مندسين مجهولين بالتورط في إشعال الموقف واستهداف المحتجين والشرطة على السواء.
عودة التعذيب والمعتقلات
وكانت السلطات المصرية إبان حكم المجلس العسكري، ثم حكم الرئيس المعزول محمد مرسي، قد قالت إن السجون المصرية باتت خالية من السجناء والمعتقلين السياسين. لكن تقديرات حقوقية تشير حاليا إلى وجود زهاء 10.000 شخص محتجز أو "معتقل" رهن التحقيقات أو في انتظار المحاكمة بأماكن الاحتجاز والسجون المصرية. ولا توجد إحصاءات رسمية بعدد السجناء في السجون المصرية في وقت نفت فيه الدولة وجود "معتقلين"، مشيرة إلى أن المشار إليهم في تقارير حقوقية محلية ودولية هم "سجناء" مدانون أو متهمون في وقائع محددة نظرتها النيابة والقضاء. ومؤخرا فحصت أجهزة الأمن عن مصير نحو 120 مصريا مختفيا من بين نحو 200 مبلغ عن اختفائهم في ظروف غامضة، أغلبهم نشطاء ومناهضون للدولة. وأبلغت وزارة الداخلية المجلس القومي لحقوق الإنسان في مصر، وهو هيئة شبه حكومية تتلقى دعما محليا وخارجيا، بأن هؤلاء إما يخضعون لتحقيقات، أو أنهم برئوا، في حين هرب آخرون من الحبس، ويتحقق الآن من وجهتهم.
وبعد سلسلة حوادث تعذيب بل وقتل في أماكن الاحتجاز وخارجها تعرض لها مدنيون عزل على يد رجال شرطة في الشهور الأخيرة، وما تلاها من احتجاجات صاخبة، استدعت تدخلا رئاسيا أحيانا، أحالت النيابة عددا من أفراد الشرطة المتورطين إلى القضاء، وحكم على عدد منهم بأحكام أولية بالسجن وعقوبات أخرى. وأضاف رزق أنه في الماضي وقبل ثورة 25 يناير "كنا لا نسمع عن محاسبة شرطي أخطأ في حق مواطن ... لكننا الآن نسمع ونرى ضباطا وأفرادا في الشرطة يحاكمون بل ويحكم عليهم." وفي يونيو/حزيران 2015 قال مركز "النديم" للعلاج والتأهيل النفسي لضحايا العنف والتعذيب في مصر في تقرير بعنوان: كشف حساب "إن من بين 272 حالة وفاة على يد الشرطة خلال عام سابق على إعداد التقرير فإن هناك 97 حالة إهمال طبي، بين سجناء سياسيين وجنائيين."
العدالة الاجتماعية غائبة
وعلى صعيد العدالة الاجتماعية أجمع كثير من الطامحين لها على أن تحقيقها لايزال بعيد المنال في بلد يزيد تعداد سكانه على 90 مليون نسمة، وتتجاوز نفقاته إيراداته بشكل خطير. وأضاف ياسر أنه يثق في أن الرئيس عبدالفتاح السيسي غير منحاز لفئة من الشعب على حساب أخرى. وأكد أن هناك خطوات مهمة اتخذت مثل منظومة السلع التموينية، وتوفير معاش للفئات الأكثر فقرا، والعمل على توسيع منظومة للقروض للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، وكذلك المشروعات الاقتصادية الكبرى كقناة السويس الجديدة ومشروع المليون فدان.
لكن رزق قال إن هذا كله لم يسهم بعد في إصلاح الخلل في منظومة العدالة الاجتماعية إذ لا يزال عدد كبير من المصريين يعيش تحت خط الفقر، في مقابل استمرار تنامي ثروات فئة أخرى أقل عددا. وكان الرئيس السيسي قد أعلن عن تدشين مشروع لتوفير القروض الصغيرة التي تصل إلى 100 ألف جنيه مصري لصالح المشروعات الشبابية، بفائدة تصل إلى 5 في المئة وتسدد على أقساط على عدة سنوات في إطار محاولات الدولة احتواء أزمات البطالة بين الشباب. وفي المقابل، شهدت مدن وقرى مصرية مختلفة حملات أمنية ألقي خلالها القبض على عشرات الشباب بتهم مختلفة منها المشاركة في أعمال عنف في السابق. لكن حقوقيين قالوا إنها جاءت في إطار إحباط أي محاولات للتظاهر في الذكري الخامسة لثورة 25 يناير.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق