الثلاثاء، 30 يوليو 2013

مقتل عبدالسلام المسماري: الخوف يعود إلى #ليبيا

الكاف

هشام مطر


انتظر القاتل في سيارة قبالة الطريق. يقع مسجد بوغولة في حي البركة في قلب بنغازي حيث يقيم عبد السلام المسماري البالغ من العمر 44 عاما وأطفاله الستة. بقى عبد السلام عقب انتهاء صلاة الجمعة في المسجد صحبة صديق له في الصمت الذي كان يخيم على المسجد عقب خروج المصلين وحينما خرج الرجلان إلى ضوء الشمس ظلا يواصلان حديثهما. اقتربت السيارة المجهولة  أكثر. وانطلقت رصاصة خرقت صدر المسماري. سارع به صديقه إلى المستشفى في سيارة إلا أن المسماري مات في الطريق.  

واجه المسماري، المحامي في مجال حقوق الإنسان، نظام القذافي القمعي وكذلك الانتهازية المجرمة للمليشيات المسلحة التي ظلت منذ التخلص من الديكتاتور الليبي تحاول الإمساك بالبلاد كرهينة. كان المسماري من القادة الأوائل لثورة فبراير وحينما تحررت بنغازي تم اختياره لتلاوة إعلان الثورة. جلجل بصوته وهو يعلن المطالبة بدولة ديمقراطية يحكمها القانون.

وان تتمكن رصاصة لا يتجاوز سعرها ثمن بضعة سجائر من وضع نهاية لحياة كهذه فإن ذلك يعد أمرا مخالفا لقوانين الطبيعة. إن مقتل عبد السلام المسماري يرفع عدد الاغتيالات السياسية في بنغازي منذ نهاية الحرب الأهلية إلى 61. وبعبارة اخرى فإن ما حدث يوم الجمعة الماضية كان يحدث في المتوسط كل 12 يوما. ومالم يحدث تغيير ما فإن هذا العدد سيواصل الارتفاع. 

صارت المدينة الليبية الثانية ومهد الثورة مكانا شديد الخطورة خاصة إذا كنتَ من الداعين للديمقراطية وحكم القانون واستقلالية مؤسسات المجتمع المدني والأهم من ذلك إن كنت من الداعين لتأسيس جيش وطني خاضع لمسألة حكومة منتخبة.

لم يكن للحكومة، في المراحل الأولى، اي خيار سوى الاعتماد على الميليشيات لحراسة الحدود والمناطق الحيوية لكن سرعان ما بدأت هذه المليشيات تأخذ في الكبر والتغول حتى أن البعض منها يفتخر بامتلاكه لمئات الدبابات وبدأت هذه المليشيات تفرض أجندتها. ونظراً لأن أيا منها لا تريد فقدان القوة التي اكتسبتها فقد بدأت في وضع العراقيل أمام خطط الحكومة لتدريب قوات عسكرية كما أن العديد من المسؤولين سيقولون لك سراً إن الخطط لتأسيس جيش وطني في حالة فوضى كاملة.

وعملياً فإن الحكومة اليوم لديها قدرات جد محدودة، فهي تعمل في ظروف شديدة الصعوبة إذ من المألوف جداً أن يقوم على سبيل المثال أشخاص مسلحون باقتحام مكتب وزير مطالبين بالمال أو بغرض التأثير على قرار معين. وبالتالي وقعت القيادة بين تهديدات المليشيات وأفراد الشعب الذين انتخبوها  بعد أن  أصيبوا بالتعب ونفاد الصبر والإحباط.  

السبب الوحيد الذي أبقى على الحكومة في طرابلس ومنعها من الانهيار هو أن نفوذ المليشيات ظل لحد الآن جهوياً. ولتعقيد الأمور أكثر ساهم هذا الموقف في تقوية الفيدراليين الذين يتمنون تحويل ليبيا إلى ولايات اقليمية.

ليس واضحا بعد من قتل عبد السلام المسماري  فقد يكون القاتل احدى المجموعات التي تقاتل ضد ما يدعو إليه المسماري وقد تكون احدى المليشيات أو بقايا النظام السابق الذين يريدون الانتقام من أحد ألمع الثوريين ولكن أياً كان الفاعل فإن الهدف ليس إسكات المسماري فقط بل أيضاً تخويف المجتمع المدني،  فعقب ساعات قلائل على عملية الاغتيال ظهرت على الأنترنت قائمة مرسلة من قبل مجهول بأسماء أشخاص آخرين مستهدفين بالقتل.

كانت جنازة المسماري التي جرت يوم السبت مناسبة للتظاهر ضد العنف إلا أن عدد الحاضرين للجنازة كان أقل من المتوقع، ربما كان اليأس وراء ذلك وربما كان الخوف. ففي اليوم التالي وفي حدث زعزع الروح المعنوية للامة أكثر تم الهجوم على مبنى المحكمة في بنغازي  هذا المبنى الرمز حيث كان المسماري ومجموعة صغيرة من المحامين قد خاطروا بحياتهم في فبراير 2011.

الخوف كان أول ضحايا ثورة فبراير.  في تلك الأيام الأولى للثورة كنت تسمع الناس تصيح "لا مزيد من الخوف".  لقد كان الليبيون يخافون من الدولة المتوحشة لكنهم الآن يخافون من غياب الدولة.

بدون جيش وقوة شرطة لحماية الناس وحراسة استقلالية وسلطة موظفي الحكومة والمسؤولين المنتخبين فإن صراعا أو نزاعا جديداً في طور الاختمار قد يؤدي بالبلاد إلى حرب أطول وأكثر دموية من السابقة.
___________________
* نشر في صحيفة الغارديان البريطانية يوم الثلاثاء 30 يوليو 2013.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق