الاثنين، 17 يونيو 2013

الثوري في #مصر و #تونس و #ليبيا ينتظر التحقّق

الحياة اللندنية- القاهرة - أمينة خيري- "هل حقاً قمنا بثورة؟" سؤال يتردد ملايين المرات على ألسنة وعقول وقلوب وخواطر وأحلام شباب الربيع العربي الذي أشعل ثورات، وأنجزها، وانتظر العيش والحرية والعدالة الاجتماعية فإذ به يحظى بـ «إقصاء وتهميش واتهامات بالعمالة والخيانة وربما الكفر والإلحاد والردة». عامان وأكثر قليلاً مضت على أحلام شبابية جرت معها أحلام بلدان كاملة بحياة إنسانية حرمها منها الفساد والطغيان والديكتاتورية على مدى عقود، وما لبث الشباب أن حلموا حتى استيقظوا على صوت ارتطام شديد بحكم ديني يعتمد على إقصاء كل «آخر» وإبعاد كل مختلف وتهميش كل مدني.
مثل هذه المشاعر السلبية بين الشباب والتي يشعر بها أبناء وبنات الربيع العربي تم التأكد منها وبلورتها علمياً من خلال دراسة ثرية استغرقت عاماً كاملاً وصدرت في القاهرة قبل أيام لتؤكد أن فجوة عميقة تفصل التوقعات والتطلعات والوعد الثوري من جهة والتجربة الواقعية من جهة أخرى. الدراسة التي أنجزها المجلس الثقافي البريطاني ومركز جون غيرهارت للأعمال الخيرية والمشاركة المدنية في الجامعة الأميركية في القاهرة أشارت إلى أن الشباب لم ييأس من مجتمعاته، لكنه شعر بالإقصاء بعد قيامه بدور كبير في «انتفاضات» 2010-2011 في شمال أفريقيا.
أولئك الشباب الذين نقلتهم أحداث الثورات من خانة «الانتظار» إلى خاصية التفعيل في كل من مصر وليبيا وتونس يحملون ذكريات طفولة وشباب مبكر غير سعيدة، فهم الذين ولدوا وعاشوا في كنف حكم مبارك والقذافي وبن علي. نظرة سريعة على الساحات السياسية الحالية تشي بوضع غامض لموقع الشباب في تلك المجتمعات على رغم الدور المحوري الذي لعبوه في الإطاحة بتلك الديكتاتوريات التي تبلغ من العمر عقوداً. هذا الغموض لا يعتري المراقبين والملاحظين والمتابعين والمهتمين فقط، بل تفضحه أيضاً عيون الشباب أنفسهم.
البرلمان المنتخب في مصر في كانون الثاني (يناير) 2012 ضم 70 في المئة من الإسلاميين وخلا بشكل شبه كامل من أي تمثيل لشباب الثورة. وفي تونس، بدأ الشباب يتقهقر وينطوي على نفسه تحت وطأة تزايد البطالة وتراجع الاقتصاد. فلا الأحزاب القديمة ولا الجديدة تمثل أياً من مصالح واهتمامات الشباب. وفي ليبيا حيث عدم الاستقرار والبحث عن طريق ملائم يؤدي إلى الديموقراطية، لا يزال النزاع المسلح يسيطر على حياة الشباب ما يجعلهم ينظرون إلى المستقبل بعيون ملؤها الشك والخوف.
وتتساءل الدراسة إن كان الشباب العرب كسر مرحلة «الانتظار» لأسباب تستحق أم لا. وتشير الإجابة إلى أنهم دخلوا مرحلة تعبئة وحركة مستمرة، لكن الإجابة عن تساؤل حول ما إذا كانت الثورات كسرت حاجز الانتظار فعلاً تنتظر إجابة!
مدير مركز جون غيرهارت الدكتورة باربارا إبراهيم تقول: «على رغم كل ما يدور من حوار مجتمعي عن الشباب والثورة، لم نر أياً من الأحزاب الحاكمة أو الجماعات السياسية المعارضة تتبنى برامج أو سياسات تتناولهم. وعلى رغم أن الشباب الذين شملتهم الدراسة لديهم طرق تفكير مبتكرة وحلول جديدة لكثير من المشكلات التي تواجه بلدانهم، فإنهم يفقدون ثقتهم سريعاً بسبب السياسات الاستبعادية على كل المستويات».
وعبر الشباب الذين شملتهم الدراسة من مصر عن قلق عميق تجاه ما سموه بـ «فجوة متزايدة بين الأجيال». فهناك شعور عام متنام بأن من أطلقوا الثورة يفتقدون الخبرة المطلوبة. والإعلام يلعب دوراً في تعميق هذه الفجوة، مع تهميش وتنميط الشباب باعتبارهم أبطالاً يفتقدون الخبرة.
واتفق الشباب المصري على إن الاحتفاء الأول بالشباب عقب تنحي مبارك كان سطحياً لأنه لم تتم ترجمته في أي سياسات أو خطط على أرض الواقع. أولئك الشباب مؤمنون تماماً أن إحداث تغيير حقيقي في مصر يتطلب اعتناق فكر شبابي سماته الإيمان بمستقبل أفضل قائم على الإبداع والخروج باستراتيجيات وسياسات جديدة غير مسبوقة. خلاصة قولهم هو إن دخول الشباب الساحة السياسية ضرورة!
ولا يختلف الوضع كثيراً في ليبيا. فعلى رغم أن الشباب الناشط ثورياً قال ان تغيراً إيجابياً طرأ على العلاقات بين الأجيال في أعقاب الثورة، يعتقد البعض أن الأجيال الأكبر احترمت الشباب فقط لدورهم التطوعي، لكن الوضع تغير حين حان وقت اتخاذ القرارات السياسية، إذ انفرد الكبار كالعادة بالساحة.
وبحس أكثر ثورية، عبر شباب تونس عن خيبة أملهم بثورة شباب حصدها الكهول. شعور عام بالإحباط والصدمة يجمع بين شباب تونس الذين فوجئوا بموقف الأحزاب الرافض لإدماجهم في المرحلة الانتقالية.
ويعلق مدير البرامج في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المجلس الثقافي البريطاني جيم باتري على التقرير قائلاً: «يقف الشباب في المنطقة عند مفترق، فهم ما زالوا متحمسين ملتزمين ولكن شعورهم بالإحباط يتزايد». وهو يرى أن على واضعي السياسات أن يجدوا طرقاً عملية للاستفادة المثلى من الشباب «لأن الفشل سيضر الجميع».
والنتيجة التي تبدو أكيدة هي أن حال «الانتظار» مستمرة. وفي مصر، حيث تختلف رؤى الشباب باختلاف انتماءاتهم السياسية، يوحد بينهم النظر للمستقبل بعين مليئة بالشك والخوف. فترى الغالبية أن القيادة الحالية لن تقود مصر لأي تغيير هادف، بل أن شعوراً يقينياً ينمو بأن النظام في طريقه لأن يكون نظاماً مباركياً بوجه مختلف. الجميع يتوقع ثورة ثانية، فلا تقدم تحقق، ولا إصلاح تبلور. لكن الخوف الأكبر يكمن في قناعة بأن الناس لن تكتفي هذه المرة بالوسائل السلمية، بل قد تذهب الى مواجهة عنيفة بين المتظاهرين والنظام.
وبما أن الاكتفاء بمناقشة أحلام الشباب وطموحاته وآماله لا يحققها، بل العمل الجاد يفعل، خرجت الدراسة بمجموعة من التوصيات أهمها: المعرفة والإشراك في كل قطاعات الدولة سواء بالعمل أم التخطيط أم الأفكار، ثم الإدماج والمكافأة، وذلك عبر الاعتراف بأن الشباب أحد أهم مصادر المعلومات والمعرفة.
وإلى جانب الدعم والإدماج، هناك حاجة ماسة لسد الفجوات أو على الأقل تضييقها، وذلك ليس فقط بين الأجيال، ولكن بين المؤسسات المجتمعية، ومنها الإعلام مثلاً.
وتنصح أخيراً الدراسة بتحسين ودعم أطر المشاركة الشبابية في المجالات الرسمية وغير الرسمية، ومنها على سبيل المثال لا الحصر الاتحادات الطالبية، والمنح الدراسية والتدريبية الموجهة للشباب، وحاضنات المشروعات والأفكار الشبابية لتطويرها ودعمها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق